خلال تكرار الحوادث ، وأخيرا العون الذي يحصل عليه من الاستعانة الخارجية لأصحاب الفكر الذين يعينونه في القيام ببعض الأعمال والابداعات . وبالطبع فانّ الحق سبحانه وتعالى ليس بحاجة لأيمن هذه الأسس والمصادر فهو العالم بكل الأشياء ، وهى حاضرة عنده ، وليس هنالك من حقيقة خارجة عن دائرة علمه المطلق . فالفكر إنّما يستفيده من كان له معلومات ومجهولات ، يروم توظيف معلوماته لكشف أسرار هذه المجهولات . والالهام الغريزي إنّما يعتمده من غابت عنه الحقائق ولاتتضح له إلّامن خلال هذا الالهام . وأمّا التجربة وتكرار العمل للوقوف على النتائج فإنما ترتبط بمن يجهل نتائج الأمور وأخيراً فان الاستعانة بأفكار الآخرين إنّما يختص بضعف الأفراد وعجزهم إلى جانب قصور فكرهم ؛ فما حاجة الذات المطلقة لمثل هذه الأمور وهى بتلك الخصائص والصفات ؟
وبغض النظر عما سبق فانّ العبارات بدورها ترشد الإنسان الجاهل إلى الظفر بمصادر المعرفة ، وأنّ هذه المصادر الأربعة تمكننا من حل المشاكل التي تواجهنا في حياتنا اليومية . ثم أشار الإمام عليه السلام إلى نقطة أخرى بهذا الشأن وهى قطعية حاكمية قوانين الخلق على كافة الكائنات :
« فتم خلقه بأمره وأذعن لطاعته ، وأجاب إلى دعوته ، لم يعترض دونه ريث « 1 »
المبطئ ، ولا أناة « 2 » المتلكي » « 3 » .
فهذا الموضوع إشارة أيضاً إلى قدرة اللَّه ونظامه الرصين في عالم الخلق ، حيث تسير كافة هذه الموجودات على ضوء قوانين معينة وهى مؤتمرة بأمره ، فهي لا تتخلف عن هذه القوانين ولا تتقدم عليها . فقد صرح القرآن الكريم بهذا الخصوص قائلًا : « ثُمَّ اسْتَوى إِلى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » « 4 » .
أضف إلى ذلك فهي تشتمل على رسالة واضحة لكافة الناس في الانسجام وعالم الخلق وتبعية هذه القوانين الإلهية ، دون التقدم عليها أو التخلف عنها ، بهدف بلوغ الغاية والظفر بالفلاح والسعادة .
ثم اختتم عليه السلام كلامه بالإشارة إلى خمسة أمور جديرة بالتأمل بشأن نظام الخلق وأسرار عالم
هامش
( 1 ) « الريث » التثاقل عن الامر والقيام بالعمل .
( 2 ) « أناة » بمعنى الوقار المقرون بالفكر حين القيام بالعمل .
( 3 ) « متلكئ » من مادة « لكأ » على وزن هدف الوقوف في مكان ، ثم أطلقت على من يتوقف في مسألة ويفكر فيها .
( 4 ) سورة فصلت / 11 .