منفعة ، فلا عبادة العباد تزيد من جلاله ، ولاكفرهم ينال من كبريائه ، فمن تولى عنه لم يستغن عنه ، ومن اعترض على قضائه لم يسعه دفعه . ثم ذكر الإمام عليه السلام خمس من صفاته الجمالية فقال :
« كل سر عندك علانية ، وكل غيب عندك شهادة ، أنت الأبد فلا أمد لك ، وأنت المنتهى فلا محيص « 1 » عنك ، وأنت الموعد فلا منجى منك إلا إليك »
. قد تبدو للوهلة الأولى مفردة
« سر » و « غيب »
بمعنى واحد ، وكذلك مفردتي
« علانية » و « شهادة »
، ولكن لا يبعد أن يكون المراد بالسر ، الأسرار الباطنية للعباد التي يعلمها اللَّه ، وبعبارة أخرى فانّ كل سر علانية لديه ، أمّا الغيب فيعني الحوادث الآتية ، أو الماضية الغائبة على حسناً وشعورناً ، أو الكائنات الموجودة حاليا في هذه السماوات والأرض والتي لا يبلغها حسنا . « 2 »
والعبارة أنت الأبد تأكيد لأبدية اللَّه سبحانه . فهو على درجة من الأبدية وكأنه عينها وذاتها ، فهو واجب الوجود ، ومن هنا لابداية له ولا نهاية ، فالبداية والنهاية من صفات المخلوقات المحدودة من مختلف الجهات .
والتعبير بالمنتهى والموعد صفتان متفاوتان بشأن اللَّه سبحانه وتعالى . فهو المنتهى بمعنى كل شيء ينتهي إليه :
« انا للَّهوانا إليه راجعون »
، وليس لأحد القدرة على الفرار من محكمة عدله .
وقد قال القرآن الكريم صراحة : « وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً » « 3 » .
والرسالة التي تحملها هذه الصفات هو أن نعلم ونؤمن بان اللَّه خبير عليم بكل شيء بما في ذلك بواطن أسرارنا وخفايانا ، فما نكتمه على الخلق ليس بمكتوم على الخالق ، واننا مرجعنا يوماً إلى محكمة العدل الإلهي ، واخيراً لا يخفى الدور التربوي والحيلولة دون الوقوع في الذنب والمعصية إذا ما التفتنا إلى هذه الصفات .
ثم واصل عليه السلام كلامه مؤكداً على قدرة اللَّه وعودة جميع الكائنات الحية إليه فقال :
« بيدك ناصية كل دابة ، وإليك مصير كل نسمة »
.
هامش
( 1 ) « محيص » من مادة « حيص » على وزن حيف بمعنى العودة والعدول واعتزال الشيء ومحيص اسم مكان ، وعليه قد تعني الملاذ .
( 2 ) يستفاد من المصادر اللغوية ان السر ما يخفيه الإنسان ، أمّا الغيب فما خفى على عيننا وحسنا .
( 3 ) سورة الكهف / 48 .