ثم اردفها عليه السلام بست صفات أخرى :
« ومن تكلم سمع نطقه ، ومن سكت علم سره ، ومن عاش فعليه رزقه ، ومن مات فاإليه منقلبه »
. نعم فهو عليم بظاهرنا وباطننا ، وهو العالم بحياتنا وموتنا ، وإنا إليه راجعون لا محالة .
والحق لو عشنا الإيمان على مستوى القلب والعمل بهذه الصفات التي بينها الإمام عليه السلام لكفتنا في اصلاح أنفسنا ، لابدّ أن نعلم بأنّ كل كالدينا منه سبحانه ، وعلينا أن نسأله كل ما نريد ، فهو العالم باسرارنا ، وأنّ يوماً سنعود إليه ونمثل بين يديه في محكمته العادلة .
ثم قال عليه السلام وقد ذكر بعضا من صفات الخالق السلبية :
« لم ترك « 1 » العيون فتخبر عنك ، بل
كنت قبل الواصفين من خلقك »
. فالعبارة « لم ترك العيون » إشارة إلى أنّه ليس بمخلوق ولا بجسم ليرى ، وتبيّن صفاته من خلال الرؤية والمشاهدة .
والعبارة اللاحقة بمنزلة العلة ؛ لأنّ اللَّه كان منذ الأزل ، ولا يمكن أن يكون جسماً . فالجسم حادث . وعليه فان أردنا أن نصف الذات المقدسة علينا ان نستعين بما أورده أنبياء اللَّه وكتبه السماوية .
ثم أشار عليه السلام إلى ثمان صفات أخرى من صفات الجلال ذات البعد السلبي ، وفي الواقع نتحدث عن غنى الحق المطلق .
« لَمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةٍ ، وَلَا اسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ ، وَلَا يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ ، وَلَا يُفْلِتُكَ « 2 »
مَنْ أَخَذْتَ ، وَلَا يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ ، وَلَا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ ، وَلَايَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قَضَاءَكَ ، وَلَايَسْتَغْني عَنْكَ مَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْرِكَ » .
نعم فهو الغني عن الجميع ، وكل كماله مصدره الحق سبحانه وليس لشيء من قدرة على تحدي إرادته - وعليه فخلقه للمخلوقات يستند إلى فيضه لالدفع وحشة وحدة أو جلب
هامش
( 1 ) « لمتر » فعل ، والكاف مفعوله ، وفاعله « العيون » يعني « لا تبصرك الانظار » .
( 2 ) « يفلت » من مادة « افلات » ينفك أويفر . ومنه الحديث المعروف لعمر في كتب الفريقين « إن بيعة أبي بكركانت فلتة وقى اللَّه شرّها » .