طبعاً من البديهي في الظروف التي يعم فيها الفساد المجتمع ، ويكون زعماء المجتمع وقادته من الفسدة والمنحرفين ، ألا يكون الأفراد المؤمنين من الشخصيات المعروفة في المجتمع ، لأنّهم سيكونون فريسة للجبابرة الذين لن يتركوهم وشأنهم أبداً ؛ فأما أن يتسلموا ويكونوا عوناً لهم ، وامّا ان يقاوموا ويمتنعوا وفي هذه الحالة ليس لهم سوى الحديد والنار .
وبناءاً على هذا يتوجب على الأفراد المؤمنين في ظل هذه الظروف أن يختفوا عن الأضواء ويعيشوا بعيداً عن الشهرة والمعرفة ، كي لا يكون هناك من يتعقبهم ويبحث عنهم .
وبالطبع فان هذه المجهولية لن تحط من قدرهم وتقلل من مكانتهم ، وأنّهم لن يتخلوا عن دورهم المعنوي في المجتمع ، ومن هنا وصفهم الإمام عليه السلام بقوله :
« أولئك مصابيح الهدى ، وأعلام السرى » « 1 » .
فهم صامتون خاملون ، إلّاأنّهم قدوة للآخرين ، فهم مصابيح هدى كتلك العلامات التي تنصب على الطريق لكي لا يضل السائر فيه ليلًا .
ثم قال عليه السلام في وصف هذه الطائفة من المؤمنين :
« ليسوا بالمساييح ، ولا المذاييع البذر » .
قال المرحوم السيد الرضي المساييح جمع مسياح وهو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها ، والبذر جمع بذور وهو الذي يكثر سفهه ويلغو منطقه .
وعليه فمعنى العبارة هو أنّ هذه الطائفة من المؤمنين ليست بمفسدة ولا مثيرة للفتنة وليست سفيهة تشيع الفاحشة .
ثم قال :
« أولئك يفتح الله لهم أبواب رحمته ، ويكشف عنهم ضراء نقمته »
. فالعبارة تفيد أنّ الله سبحانه وتعالى لم يسلب الطائفة المؤمنة الحقة عنصر هدايتها في تلك الظروف العصيبة ، وهو حافظهم من شر الظلمة ومكاره ذلك الزمان وحوادثه .
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بنبوءة صريحة وتوضيح أكثر لذلك الزمان ، فقال عليه السلام :
« أيها الناس ! سيأتي عليكم زماناً يكفا « 2 » فيه الإسلام ، كما يكفأ الاناء بما فيه » .
فالعبارة
« يكفأ فيه الإسلام »
كناية لطيفة عن انقلاب كافة المفاهيم الإسلامية رأساً على
هامش
( 1 ) « السرى » تعني السير في الليل .
( 2 ) « يكفأ » من مادة « كفأ » على وزن نفع بمعنى الانقلاب .