تخطى ببال أولى الرويات « 1 » خاطرة من تقدير جلال عزته » .
فالعبارة
« إرتمت الأوهام »
إشارة إلى سرعة حركة الأفكار العادية للناس من أجل كشف عمق وسعة صفات اللَّه .
والعبارة :
« حاول الفكر المبرأ . . . »
إشارة إلى أفكار العلماء والمفكرين الذين طهروا أرواحهم من وساوس الشيطان فأصبحت أفئدتهم على درجة من الصفاء بحيث عادت كالمرآة تعكس الحقائق . والعبارة :
« تولهت القلوب إليه . . . »
اشتد عشقها حتى أصابها الوله وهو الحيرة ، فهي دائبة السعي وحث الخطى لمعرفة اللَّه والانفتاح على ذاته وصفاته والعبارة :
« وغمضت مدخل العقول . . . »
إشارة إلى العقول المقتدرة التي انطوت على أدق السبل النظرية الاستدلالية .
فالإمام عليه السلام أشار إلى أنّ الإنسان وإن حكم هذه الطرق الأربع فانّها قد تمكنه من إدراك بعض الحقائق . إلّاأنّ أي من هذه الطرق لا يمكنها إدراك كنه الذات وحقيقة الصفات . والحق أنّ هذا أروع بيان وأبلغه يصور عجز البشر عن إدراك كنه ذاته وصفاته سبحانه . طبعاً هذا ليس معلولًا لخفاء ذاته وصفاته سبحانه ، بل اشتد ظهوره حتى حارت الأبصار عن الوقوف على كنهه ؛ الأمر الذي نلمسه في تعذر رؤيتنا لقرص الشمس وهل ذاك لظلامها أم لشدة نورها وضوئها . فإذا كان هذا وضع الشمس التي تعد كوكباً ضائعاً ضمن ملايين الكواكب والمجرات ، فما ظنك بذات الحق ؟ وبعبارة أخرى : فالإنسان كلما اقترب أكثر غرق في بحر وهالة من النور والعظمة ، لكي لا يجد من سبيل أمامه سوى الاعتراف بالعجز .
وبالطبع فهذا لا يعنى أننا نعتقد بتعطيل صفاته وذاته ونزعم أننا لا نستطيع مطلقاً التعرف على اللَّه ، بل ملأت آثار علمه وقدرته وذاته وصفاته عالم الوجود ، بحيث نراه في كل مكان ونستمع لتسبيحه وتنزيهه في كل موضع ؛ وإن كان علمنا على نحو الإجمال لا التفصيل .
هامش
( 1 ) « رويات » جمع « روية » وهى الفكر .