الأوهام ، لتدرك منقطع « 1 » قدرته . وحاول الفكر المبرأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه
في عميقات غيوب ملكوته ، وتولهت « 2 » القلوب إليه ، لتجرى في كيفية صفاته ، وغمضت
مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتناول علم ذاته ، ردعها وهى تجوب « 3 » مهاوى « 4 »
سدف « 5 » الغيوب ، متخلصة إليه سبحانه »
. فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أشار إلى أربعة عوامل للبحث في إطار السعي لمعرفة كنه الصفات ؛ الأول : الأفكار العادية الملوثة ، والثاني الأفكار المنزهة عن الوساوس ، والثالث :
القلوب المفعمة بحب اللَّه والتي تحث الخطى باتجاه الشهود ، والرابع : والأخير العقول الحادة والدقيقة التي تعتمد الطرق الاستدلالية والنظرية في تعاملها مع المسائل ، ليصفها الإمام عليه السلام في خاتمة المطاف بالعجز عن إدراك كنه ذاته وصفاته ، وأنّ لتلك الذات والصفات أنوار خاطفة تسلب العقول لبها وتردع أصحاب هذا السبيل من الخوص والتقدم . فهو كما قال الشاعر :
فيك يا أعجوبة الكون غدا الفكر كليلًا * أنت حيرت ذوي اللب وبلبلت العقولا
كلما قدّم فكري فيك شبراً ، فرّ ميلًا * ناكصاً يخبط في عمياء لا يهدي سبيلا
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بأنّ عاقبة حركة هذه العقول والقلوب والأوهام هو العجز ، فلا ترى أمامها سوى الاعتراف بسذاجة السعي وتفاهة الحركة التي ليس من شأنها الانفتاح على ذاته وصفاته ، فعقول البشر قاصرة عاجزة ليس لها إدراك ذلك بل لاتخطر عظمته وعزته على أفكار العلماء :
« فرجعت إذ جبهت « 6 » معترفة بأنّه لا ينال بجور الاعتساف « 7 » كنه معرفته ، ولا
هامش
( 1 ) « منقطع » الشئ ما إليع ينتهى حيث يحصل القطع عادة آخر الشئ .
( 2 ) « تولهت » من مادة « وله » بمعنى العشق وشدة حب الشئ حتى تجعل الإنسان حيراناً وتصيبه بالذهول .
( 3 ) « تجوب » من مادة « جوب » على وزن ذوب بمعنى القطع والثقب . فقد ورد في الآية التاسعة من سورة الفجر بشأن قوم الثمود « وثمود الذين جابوا الصخر بالواد » في إشارة إلى دورهم التي كانوا يبنوها في الجبال من جراء قطع الحجر والصخر .
( 4 ) « مهاوى » جمع « مهواة » و « مهوى » تعنى في الأصل الوادي بين جبلين ، أو الحفرة بين جدارين ، ولما كان مثل هدا المكان مطبا ، فقد وردت هذه الكلمة بمعنى الهلاك .
( 5 ) « سدف » جمع « سدفة » بمعنى الظلمة .
( 6 ) « جبهت » من مادة « جبهة » بمعنى الجبين با البناء للمجهول ضربت جبهتها والمراد عادت خائبه .
( 7 ) « اعتساف » السلوك على غير جادة ، كما وردت بمعنى مطلق الانحراف والعدول عن الشئ .