عالم الخليقة . فهي تقتدى أحياناً في عملها بظاهرة من ظواهر مختلفة في ما تقوم به من إبداع ، وأحيانا أخرى بظواهر تركيبية وتلفيقية مختلفة بالضبط كالرسام الماهر الذي يعكس بريشته بعض الصور الرائعة والجميلة بالاستناد إلى من سبقه في الرسم والتصوير . فبالطبع لولا وجود هذه الصور والأشياء لما وسع ذلك الرسام هذا الابداع والجمال . أمّا الحق سبحانه فليس كذلك فعمله الابداع دون الاقتداء بالمثال وليس ذلك لأحد سواه . وقد مرّ علينا شبيه هذا المعنى البديع في الخطبة الأولى من نهج البلاغة بعبارته عليه السلام
« أنشأ الخلق إنشاءاً ، وابتدأه إبتداءاً . . . » .
ثم قال عليه السلام موضحاً ما أورده أن أرانا من عجائب قدرته والآثار الحالية عن تناهي حكمته وحاجة كافة الأشياء إليه بما يدعونا تلقائيا إلى معرفته :
« وأرانا من ملكوت قدرته ، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته ، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوته ، ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته »
بعبارة أخرى فانّ اللَّه سبحانه قد أبان آثار قدرته في عالم الوجود وهى تجري وفقاً لنظام دقيق وقوانين معقدة تفيد أنّ الابقاء عليها يتطلب علمه وتدبيره الحكيم . فذرات الكون برمتها محتاجه إليه في خلقها وكذلك في إدامة حياتها واستمرارها ، وهى تحكي بكافة تفاصيلها عن تناهي قدرته وحكمته . بما يجعل الإنسان يقر بضعفه وعجزه والاستضاءة بنور معرفته . ثم واصل الإمام عليه السلام قائلًا :
« فظهرت البدائع التي أحدثتها آثار صنعته وأعلام حكمته ، فصار كل ما خلق حجة له ، ودليلًا عليه ؛ إن كان خلقاً صامتاً ، فحجته بالتدبير ناطقة ، ودلالته على المبدع قائمة » « 1 »
نعم فقد غصت أرجاء العالم بعلمه وقدرته وشع نور التوحيد من جبين كافة مخلوقاته وكائناته سبحانه . كما عطر فضاء العالم بحمده وتسبيحه « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَ نَّهُ الحَقُّ » « 2 » .
وهو المعنى الذي عبر عنه أبوالعتا هية حين أنشد قائلًا : « 3 »
فيا عجبا كيف يعصى الاله * أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شي له آية * تدل على أنه واحد
هامش
( 1 ) الضمير في حجته ودلالته يعود إلى الخلق لا الخالق .
( 2 ) سورة فصلت / 53 .
( 3 ) الكنى والألقاب 1 / 121 .