ثم أشار عليه السلام إلى نقطة في الحقيقة هي علة هذا الأمر ، وهى أنّ هذه الفتن مجهولة عند الاقبال ، معروفة عند الإدبار
« ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات »
، فهذه نقطة اجتماعية سياسية غاية في الأهمية ، وهى أنّ أصحاب الفتنة والانحراف إنّما يحاولون تنميق ظاهرهم ليخفون صورتهم الكريهة في إطار الحق ليستقطبوا الناس إليهم ، فإذا استتب لهم الأمر كشفوا عن أنيابهم الكريهة حتى يطاح بهم .
ومن هنا فانّ دعاة الحق مطالبون على الدوام بالنظر بمنتهى الحيطة والحذر إلى الأحداث والوقائع خشية الانخداع والاغترار ، فحسن الظن والنظرة السطحية في مثل هذه الأمور لن تؤدي سوى إلى الضرر والخسران .
ثم أشار عليه السلام إلى نقطة مهمّة وهى أنّ الفتن ليست شاملة ، بل هي كالرياح التي تصيب موضعا وتترك آخر :
« يحمن « 1 » حوم الرياح ، يصبن بلداً ويخطئن بلدا » .
لأنّ أرضية كافة المدن والأمصار ليست واحدة لتحتضن الفتن ، بل هناك عدة عوامل متوفرة هنا وليست متوفرة هناك ، وبناء على هذا فلا ينبغي الاغترار إذا لم تشاهد بعض آثار الفتن في موضع دون آخر .
ثم يتطرق عليه السلام إلى فتنة بني أمية ليحذر من خطورتها فيقول :
« ألا وإنّ أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية ، فانّها فتنة عمياء مظلمة » .
فتنة عمياء مظلمة لا تبقى أمامها من قيم ومفاهيم ومثل ، وتتجاوز كافة الأشخاص دون الالتفات إلى سوابقهم ومواقفهم ، والحق أنّ فتنة بني أمية كانت كذلك ! فقد استعادت أعراف الجاهلية حياتها على عهدهم وفي ظل حكومتهم ، حيث تمكنت حثالات رجالهم من التسلط على رقاب المسلين وإشغال المواقع الحساسة في الحكومة ، فتنحت تلك الشخصيات الصالحة وأقصيت عن الميدان ، بينما مورست أبشع أنواع البطش والتعذيب بحق أولئك الذين رفعوا أصواتهم بوجه هذه الحكومة . ثم أشار عليه السلام إلى بعض خصائص هذه الفتنة في أنّ حكومتها عامة شاملة بحيث يخضع الجميع لهذه السلطة الغاشمة ، غير أنّ بلائها يختص بطائفة وجماعة ؛
هامش
( 1 ) « يُحمن » من مادة « حوّم » على وزن قوّم بمعنى الدوران .