فمن كان بصيراً في تلك الفتنة ( ووقف بوجهها ) شمله ذلك البلاء ، بينما يسلم منها من كان أعمى
« عمت خطتها ، « 1 » وخست بليتها ، وأصاب البلاء من أبصر فيها ، وأخطأ البلاء من عمي
عنها » .
طبعاً أنّ آثار الفتنة ستعم بالتالي كافة القوم ، ولعل هذا هو المعنى الذي أشارت إليه العبارة
« عمت خطتها » ؛
إلّاأنّ شدتها وحدتها إنّما تطيل المجاهدين الأشداء ، بينما يكون الجهال من عديمي الشعور بالمسؤولية في أمان من ذلك البلاء ثم تطرق عليه السلام إلى خاصية أخرى من خصائص حكومة بني أمية ، ليقسم قائلًا :
« وآيم اللَّه « 2 » لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء
بعدي كالناب « 3 » الضروس « 4 » تعذم « 5 » بفيها ، وتخبط « 6 » بيدها وتزبن « 7 » برجلها ، وتمنع
درها « 8 » » .
ياله من تشبيه رائع في الإنسان يتوقع أن يستفيد من لبن ناقته ويركبها ليصل إلى المكان الذي يريد ، كما أنّ الإنسان ينتظر من الحكومة أن تساعده وتحل مشاكله وأن تكون سنده في مسيرة الرقي والتقدم الفردي والاجتماعي . أمّا الحكام الظلمة الذين يفتقرون إلى المنطق والرحمة - والذين لايفكرون إلّافي تحقيق منافعهم - ليس فقط لايحلون مشاكل المجتمع فحسب ، بل يجعلونه يعيش في خضم هالة من المصاعب والمشاكل ويوجهون له الضربات الماحقة الموجعة وهذه المعاملة الجافة العنيفة ، ويا لها من نبوءة صحيحة حيث كان عليه السلام يرى ببصيرته كل تلك الأحداث وعظم البلاء الذي صبته هذه الفئة القاسية على المسلمين . حتى لا يبقى منكم إلّامن ينفعهم أو لا يضرهم :
« لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلّانافعالهم ، أو غير ضائر بهم » .
هامش
( 1 ) « خطة » من مادة « خط » به معنى وضع العلامة ، ولفظ « خطة » يأتي أحياناً بمعنى حالة أو موضوع .
( 2 ) « أيم » يرى بعض الأدباء أن أصلها ( أيمن ) أسقطت نونها ، فان قيل وأيم اللَّه تفيد القسم ( ومن أراد المزيدفليراجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7 / 54 ) .
( 3 ) « الناب » الناقة المسنة .
( 4 ) « ضروس » الحيوان السئ الخلق يعفى حباله .
( 5 ) « تعذم » من مادة « عذم » من عذم الفرس إذا أكل بحفاء أوعض .
( 6 ) « تخبط » من مادة « خبط » الضرب باليد .
( 7 ) « تزبن » من مادة « زبن » على وزن دفن تضرب .
( 8 ) « درّ » جريان اللبن توفير ، كما يطلق على كل خير وبركة .