ولا يمكن توقعه فضلًا عن تحققه على الواقع العملي .
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بالحديث عن الآفاق المظلمة التي تلوح في الآفاق وعدم التعرف على الحق وصراطه المستقيم في ظل هذه الأوضاع المضطربة :
« وإن الآفاق قد أغامت « 1 » ،
والمحجة « 2 » قد تنكرت »
، وذلك لأنّ الأهواء الشيطانية والأطماع الدنيوية قد قلبت الموازين الفكرية للمجتمع بحيث يصعب عليه تمييز الصحيح من السقيم ، وكيف يتخلص من المطبات التي تواجهه في حياته .
ثم أكد الإمام عليه السلام هذا الموضوع بأنّي إذا تقلدت هذه المسؤولية فسوف لن أنتهج السياسة الخاطئة التي كانت سائدة سابقاً ، بل سأقتدي بهدي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في بسط الحق والعدل :
« اعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب « 3 » العاتب »
- حيث لم يكن الطمع الذي عاشه الناس على عهد عثمان يدعهم يتساوون مع الآخرين فكانوا يهربون من عدالة علي عليه السلام ويثيرون الفتن - فلم يكن أمام الإمام عليه السلام من سبيل سوى مخالفة الشرع ومواصلة الظلم أو السيرفيهم بالعدل الذي نشده من قام ضد عثمان ، فلما سار بهم بعدله حدثت تلك الفتن التي توقعها الإمام عليه السلام . « 4 »
في إشارة إلى أنّ الإمام عليه السلام كان يعلم بأنّ طلاب الدنيا من أهل المطامع والمصالح سيقفون حجرة عثرة في طريقه من أجل إشاعة الحق وإجراء العدل وبسط القسط ، وسيؤلبون الآخرين عليه ويهبوا لمعارضته والوقوف بوجهه ، وكأنّ المبادي السياسة لتلك المرحلة كانت تتطلب مواصلة الفوضى التي كانت سائدة والتطاول على بيت المال واغداق المناصب والمهام على أصحاب النفوذ والسطوة دون أي استحقاق ، وإن انعكس ذلك سلباً على الامّة وهضمها حقوقها ؛ الأمر الذي كان في مقدمة أهداف الأنبياء والرسل القضاء عليه : « لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا
هامش
( 1 ) « أغامت » من مادة « غيم » غطيت بالغيم ، كناية عن اضطراب الأوضاع السياسية والاجتماعية للمسلمين فيذلك الزمان .
( 2 ) « محجة » الطريق المستقيمة والواضحة سواء الظاهرية أم المعنوية ، وقد اقتبست في الأصل من مادة « حج » بمعنى القصد ، لأنّ الإنسان يقصد دائما المشي على الطريق المستقيم ليصل إلى الهدف .
( 3 ) « عتب » مصدر بمعنى اللوم والتأنيب والتوبيخ .
( 4 ) شرح نهجالبلاغة للشيخ محمد عبده ، ذيل الخطبة 92 / 233 .