ونسيان حياتها التي شهدتها على عهد النبي صلى الله عليه وآله بفعل عدم التفات الخلفاء لهذا الأمر . ومن هنا رأى الإمام عليه السلام نفسه أمام مفترق طرق ؛ إمّا الاستسلام للبيعة في تلك الظروف العصيبة والتأهب لتلك الحوادث والأزمات ، وأمّا رفض البيعة وترك الامّة وشأنها .
2 - لم يكن الإمام عليه السلام كساسة الدنيا ليخفي أهدافه الحقيقية التي سيسعى إلى تطبيقها فيما لو تولى الخلافة والحكومة الإسلامية ، فيجر الامّة بوعوده المعسولة إلى البيعة ، ثم يكشف عن برامجه وخططه بعد أن يتربع على عرش السلطة وتستتب له الأمور ويحكم قبضته على الناس ! نعم هيهات أن يفكر الإمام عليه السلام بمثل هذه المراوغات والأساليب المظللة . ومن هنا حذر الامّة من عظم المسؤولية التي ينبغي أن تنهض بها فيما لو لبى بيعتها وتولى زعامتها . فمن الطبيعي الا يكون هناك من مبرر لخداع الامّة بغية حصول الأهداف الإسلامية وإشاعة المفاهيم السماوية .
3 - لاشك أنّ الإمام عليه السلام أجدر أفراد الامّة على الخلافة ليس في ذلك الزمان فحسب ، بل في الزمان الذي سبقه حيث ولايقتصر الاعتراف بذلك على الإمام صرح قائلًا :
« إنّه ليعلم أن محلي منها محك القطب من الرحا » « 1 »
، وحين جعله عمر أحد أعضاء الشورى فقال :
« متى
اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر » « 2 »
، ولما أرادت الامّة أن تبايعه بعد عثمان إذ قال :
« ولقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري » « 3 »
، بل كان يراه كذلك حتى خصومه ( وإن لم تشهد السياسة مثل هذا الأمر ) ومن ذلك ما قاله عمر حين انتخاب الشورى :
« أمّا واللَّه لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح والمحجة البيضاء » « 4 »
، كما ذكر الطبري أنّ أبا بكر حين ولي الخلافة ، تطرق لعدم أحقيته فيها طبق أغلب الروايات فقال :
« أيهاالناس ! فانّي وليت عليكم ولست بخيركم » « 5 » .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 3 .
( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة 3 .
( 3 ) نهج البلاغة ، الخطبة 74 .
( 4 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 186 ؛ وقد نقل هذا المضمون الطبري في 3 / 294 حوادث عام 23 هباختلاف طفيف .
( 5 ) تاريخ الطبري 2 / 405 .