المذاهب في الأصول والفروع ، إلى جانب اتساع رقعة البلاد الإسلامية التي أسهمت في انبثاق مختلف الفرق . فالإمام عليه السلام يضم هذا الاختلاف ويعزا ذلك إلى ثائر الاخباء زلات التي أشير إلى عشر منها في هذا الخطبة ، أربع منها وردت في الخطبة : الأولى انهم لايتبعون تعاليم الوحي التي يبلغهم بها الأنبياء . الثانية انّهم لم يلتزموا ويقتدو بالأوصياء من بعد الأنبياء . الثالثة عدم الإيمان بالغيب . أمّا ما المراد بالإيمان بالغيب فهنا لك خلاف بين مفسري القرآن وشرّاح نهج البلاغة . فقد ذهب البعض إلى أنّ المراد بالغيب الذات الإلهية المقدسة ، وقيل القيامة وقيل متشابهات القرآن بينما توسع البعض آخر فذهب إلى أنّ المقصود بالغيب كافة الأمور الخارجة عن دائرة حس الإنسان . وعليه فقد يراد بالغيب جميع ما ذكر ، ويبدوا المعني الأخير هو الأنسب . الرابعة عدم التورع عن العيوب وبعبارة أخرى فانّ هؤلاء يرتكبون كل ذنب بسهولة بسبب افتقادهم لملكة الافاف التي تحجز الإنسان عن ذنب ، وهكذا كانت مباني إيمانهم ضعيفة وأعمالهم خاوية ، ومن الطبيعي أن يؤدى التزلزل في الإيمان إلى الفساد في العمل ، كما يؤدى الفساد في العمل إلى زعزعة دعائم الإيمان . ثم قال عليه السلام في الصفة الخامسة العشرة :
« يعملون في الشّبهات ، ويسيرون في الشّهوات »
العبارة
« في الشهوات »
إشارة إلى نقطة لطيفة وهى أنّ هؤلاء يخفون أعمالهم السيئة تحت غطاء الشبهات حتى لا يطلع الناس على قبائحهم . أنّهم قلما يتجهون صوب محكمات القرآن والأحاديث ، بل بالعكس إنّما يسارعون إلى المتشابهات ، وكذلك في الموضوعات الخارجية التي تعتبر من الموضوعات الواضحة ، حيث يبتعدون عنها ويقتفون آثار الموضوعات المشتبهة ؛ ولا غرو فليس لهم من سبيل القيام بأعمالهم الشائنة إلّامن هذا السبيل . والعبارة
« يسيرون في الشهوات »
تثير إلى أنّ محور حياتهم إنّما يمر عبر الشهوات ، لا أنّ الشهوات طارئة عليهم ، أضف إلى ذلك فانّ مقارفتهم لهذه الشهوات دائم متواصل ، ويفهم ذلك من خلال العبارة التي تصدرتها الأفعال بصيغة المضارع
« يعملون ويسيرون »
. والجدير بالذكر أنّ أعمالهم انعكاس لعقائدهم الفاسدة ، كما يمكن أنّ تكون مقارفة الشهوات تدفعهم لأن يتجهوا صوب العقائد التي تبرر أفعالهم . « 1 » ثم خاض
هامش
( 1 ) راجع ذيل الخطبة 38 في المجلد الثاني من هذا الشرح بخصوص الشبهة ومعناها وتأثيرها في تحريفالحقائق . ( 2 / 405 )