تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
تفيد أنّ أولئك الذين جاوزوا الحد في المباحات والرخص قد هوى آخر الأمر في مستنقع المحرمات . فقد شبهت بعض الروايات والأخبار المحارم بالغرق والمنطقة المحظورة ذات الحدود المعينة ثم شبهت النفس البشرية بالشاة التي ترعى عند تلك الحدود ، حتى يلوح لها العلف فتندفع نحوه . فالإنسان قد يندفع بأقصى ما لديه لممارسة المباحات حتى تخدعه نفسه فإذا هو يقارف الخطيئة والمعصية . فقد قال الإمام علي عليه السلام : « والمعاصي حمى اللّه ، فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها » « 1 » . وقد وردت التعبيرات القرآنية الرائعة التي تحذر من الاقتراب من تلك الحمى كقوله : « وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ » « 2 » و « وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا » « 3 » ووَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ماظَهَرَ مِنْها وَمابَطَنَ » « 4 » . فأفضل سبيل لمجانبة الذنب تكمن في عدم الاقتراب منه ، فلايوغل في المباح خشية من السقوط بما بعده . والسبيل الثاني : « ولا تداهنوا « 5 » فيهجم بكم الإدهان على المعصية » . المراد بالمداهنة هنا مماشاة الإنسان ومرونته لأحل الذنوب والمعاصي واظهار حالة من النفاق ، فانّ من شأن هذا النفاق أنّ يقود الإنسان إلى مقارفة الذنب . وأحد المصاديق التي يمكن الإشارة إليها هنا ما تعارف بالحيل الشرعية واللجوء إلى بعض الأساليب التي تعدّ من الحلول الكاذبة لبعض المشاكل ، حيث تنتهي بالإنسان في خاتمة المطاف إلى الوقوع في المعصية علانية ، وهذا بدوره يعد من سبل الشيطان لجر الإنسان إلى الذنب والخطيئة . وأحياناً يخدع الإنسان نفسه ليقارب الذنب ، كما يخدع أحياناً من قبل الآخرين للإتيان بالمعصية ، وكلا الأمرين من مصاديق المداهنة . ومن هنا حذر الإمام عليه السلام من هذين السبيلين بغية غلق الأبواب بوجه الشيطان وعدم الوقوع في حبائله .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة 18 / 118 ح 22 الباب 12 من أبواب صفات القاضي . ( 2 ) سورة الأنعام / 152 . ( 3 ) سورة الإسراء / 32 . ( 4 ) سورة الأنعام / 151 . ( 5 ) « تداهنوا » من مادة « مداهنة » وقد اشتقت من مادة « دهن » التي تعنى المرونة المذمومة والنفاق والمماشاة ، كما تعني إظهار خلاف ما في الطوية .