الزّفير « 1 » »
فالمراد بالجحيم هنا جحيم البرزخ التي تمثل جانبا من جهنم القيامة ، والتي سيردها أصحاب الكبائر . فقد قال سبحانه تعالى في محكم كتابه العزيز بشأن آل فرعون : « النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَفِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذابِ » « 2 » كما يستفاد من العبارة شدة عذاب البرزخ ورهبته . فناره تضج ، والسنتها تتصاعد ، وماؤها يشوي البطون حقاً أنّ آلام الإنسان ومعاناته ومصائبه لتزول بالمرة حين يفارق هذه الدنيا ويودع روضة من رياض الجنّة ، غير أنّ البلاء يشتد إذا أودع بعد كل هذا البؤس والشقاء حفرة من حفر النار إثر سوء أعماله . طبعاً كلام الإمام عليه السلام مطلق ، ولكن من الواضح أنّ المراد به عبّاد الدنيا والظلمة والطواغيت وعامة أهل الذنوب والمعاصي ؛ وهو الأمر الذي أشير إليه بصراحة في العبارات السابقة ، كالعبارة :
« نفر مستكبراً ، وخبط سادراً ، ما تحاً في غرب هواه ، كادحاً سعياً لدنياه » .
ثم قال عليه السلام
« لا فترةٌ مريحةٌ ، ولا دعةٌ « 3 » مزيحةٌ ، « 4 » ولا قوّةٌ حاجزةٌ ، ولا موتةٌ ناجزةٌ ، « 5 » ولا سنةٌ « 6 » مسلّيةٌ ، « 7 » بين أطوار الموتات ، وعذاب السّاعات ! إنّا باللّه عائذون »
. تبين هذه العبارات القصيرة العظيمة المنال المقتبسة من آيات القرآن الكريم أنّ العذاب الإلهي شديد الألم على هؤلاء الأفراد من جهة ، ومن جهة أخرى ليس هنالك من سبيل قط للفرار منه ، وذلك لأنّ صحيفة الأعمال تغلق بموته ولاتشهد أي تغيير تبديل ، اللّهم إلّا أنّ يتطلف اللَّه عليهم برحمته وفضله ، مع ذلك فذلك اللطف يستند إلى حكمته سبحانه . فما ورد في هذه الخطبة يتناغم وآيات القرآن الكريم التي تحدثت عن عقاب البرزخ . فقد
هامش
( 1 ) « زفير » صوت النار عند توقدها .
( 2 ) سورة غافر / 46 .
( 3 ) « دعة » من مادة « ودع » على وزن منع الراحة .
( 4 ) « مزيحة » من مادة « إزاحة » تزيح ما أصابه من التعب .
( 5 ) « ناجزة » من مادة « نجز » منتهية .
( 6 ) « سنة » بالكسر والتخفيف أوائل النوم .
( 7 ) « مسلية » من مادة « تسلية » النسيان ، تشغله عما هو فيه .