الشأن ، نرى من الجفاء عدم التعرض لها ، فقد قال :
إلى م تجّر أذيال التّصابي * وشيبك قد نضا برد الشّباب
بلَال الشّيب في فَودَيكَ نَادَى * بأَعلَى الصّوت حَيَّ عَلَى الذّهَاب
خلقت من التّراب وعن قريبٍ * تغيب تحت أطباق التّراب
طمعت إقامةً في دار ظعنٍ * فلَا تَطمَع فَرجلكَ في الرّكَاب
وأرخيت الحجاب فسوف يأتي * رسولٌ ليس يحجب بالحجاب
أعامر قصرك المرفوع ؟ أقصر ! * فإنّك ساكن القبر الخراب ! « 1 »
وأخيرا إختتم كلامه الذي أشار فيه إلى الدنيا وتقلب أحوالها وضرورة الاستعداد فيها إلى سفر الآخرة بعبارة أوردها بمنزلة الدليل والبرهان على ما قال :
« فإنّ اللّه سبحانه لم يخلقكم عبثاً ، ولم يترككم سدًى » « 2 »
والعبارة في الواقع إشارة إلى برهان المعاد المعروف ( برهان الحكمة ) الذي يصرح بأنّ هدف خلق الإنسان إذا اقتصر على هذه الحياة القصيرة وما يكتنفها من أيام المطعم والملبس والنوم فإنما هو العبث بعينه ، فلا يمكن أن يكون هذا هو الهدف من هذا الخلق العظيم وهذه السماوات والأرضيين وما يكتنفهما من العجائب والغرائب وهذه البنية العجيبة لخلقة الإنسان بهذا التعقيد والدقة والنظام ، فجميع القرائن الموجودة في عالم خلقة الإنسان والأكوان تشير إلى عظم الهدف الذي قام من أجله الخلق ، وهو الهدف العظيم الذي خلق الحكيم من أجله الإنسان والعالم ، والذي يكمن في تكامل الإنسان وقربه من اللَّه ونيله سعادة الدارين .
هامش
( 1 ) منهاج البراعة 4 / 399 .
( 2 ) « سدى » من مادة « سدو » على وزن سرو بمعنى الاهمال والعبث ، ومن هنا تطلق العرب « سدى » على الابلالتي لاراعي لها وترعى كيفما تشاء ، والعبارة بمعنى تعني أن اللَّه لم يخلقكم عبثاً دون هدف .