تأمّل : الزاهد أمير لاأسير
لقد شحن نهجالبلاغة بخطب الإمام عليه السلام التي تتناول مفهوم الزهد . إلى جانب ذلك فان القرآن الكريم قد تناول حقيته ومفهومه بصورة واسعة وان لم يورد هذه المفردة بكثرة . والزهد من المفاهيم التي تعرضت لها الإديان الإلهية ، على أنّه يعني عدم التعلق بماديات الدنيا وحطامها ، وبالطبع لايراد بالزهد حرمان الإنسان من المال والثروة والمقام والإمكانات ، وإنّما يراد به عدم الانقياد والاستسلام لهذه العناصر والوقوع في أسرها ، بل ينبغي له أن يكون أميراً عليها . ومن هنا نرى أنّ نبي اللَّه سليمان عليه السلام الذي يضرب المثل بملكه وحكومته كان أميراً لا أسيرا حين رد تلك الهدايا النفيسة التي بعثت بها إليه ملكة سبأ . وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال :
« الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ، ولا إضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يداللّه » « 1 »
. ومن هنا يتضح مدى الفارق الشاسع بين الزهد في الإسلام والرهبانية في المسيحية . فالزهد الإسلامي يعنى البساطة في الحياة والابتعاد عن التجملات وعدم الوقوع في مخالب الشهوات وأغلال الأموال والمقام ، بينما تعني الرهبانية إلّانزواء والانعزال عن الحياة الاجتماعية . فقد ورد في الحديث أنّ عثمان بن مظعون حزن حزناً شديداً لما مات ولده واقبل على الزهد فجعل داره مسجداً وانهمك بالعبادة ، فلما بلغ الخبر رسولاللَّه صلى الله عليه وآله قال : يا عثمان إنّ اللَّه تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانية ، إنّما رهبانية أمتي الجهاد في سبيلاللَّه . « 2 »
في إشارة إلى أنّك إذا أردت أن تقاطع الماديات فلا تسلك السبيل السلبي في ذلك وعليك تعقيب هذا الهدف من خلال مساره الايجابي الصحيح الذي يكمن في الجهاد - ثم تطرق رسولاللَّه صلى الله عليه وآله إلى فضيلة صلاة الجماعة ليقف على مدى أهمية الجماعة في الإسلام ورفضه لكافة أشكال الرهبنة والعزلة . ويقابل الزهد الرغبة والتنافس على الدنيا ؛ أي اللهث وراء الدنيا والتكالب على متاعها الذي ورد الذم عليه في الإسلام . وللزهد عدة آثار على الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان ، والتي يمكن بواسطتها التعرف عليه وهى : قصر الأمل وشكر
هامش
( 1 ) كنز العمال 3 / 181 ، ح 6059 .
( 2 ) بحارالأنوار 70 / 114 .