كلمتين من القرآن : قال اللّه سبحانه « لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ » ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه » « 1 » . فالعبارة تفيد أنّ حقيقة الزهد تعني ترك التبعية وقطع أغلال الأسر المرتبطة بالماضي والآتي . الركن الثاني من الأركان الثلاث الزهد قوله عليه السلام :
« والشكر عند النعم »
على أنّ النعم من اللَّه لامن العبد ليتعلق بالخالق ويهجر ذاته . أمّا قوله عليه السلام :
« التورع عند المحارم »
فيشير إلى أنّ حب الدنيا والتعلق بها هو أساس مقارفة الذنب ؛ الأمر الذي عبر عنه الحديث الشريف :
« حب الدنيا رأس كل خطيئة » « 2 »
. وبناءاً على ما سبق فمن قصر أمله وشكر نعم ربّه وأمسك نفسه عن الذنب فهو الزاهد الحقيقي ؛ سواء كان غنياً أم فقيراً ، لأنّ الفقر ليس مقياس الزهد قط . ثم قال عليه السلام :
« فان عزب « 3 » ذلك عنكم ، فلايغلب الحرام صبركم ، ولا تنسوا عند النعم شكركم ، فقد أعذر اللّه إليكم بحجج مسفرة « 4 » ظاهرة ، وكتب بارزة العذر واضحة »
. فالإمام عليه السلام وإن أكد على ركنين من أركان الزهد في إختتام الخطبة ( ترك الذنب وشكر النعمة ) إلّاأنّ عباراته تفيد أن مراده هو أنكم إن لم تؤدوا حق النعمة في شكرها ، فلا تنسوا على الأقل قضية الشكر ، وإن تبلغوا مرتبة من الورع في هجر الذنوب بحيث تشمل الوقوف عند الشبهات ، فلا تجعلوا الحرام يجاوز صبركم فعليكم كحد أدنى التحلي بالتقوى عند هذا الحد . أمّا ما ذكره الإمام عليه السلام من أسس ودعائم للزهد والتقوى فهي من الأمور التي يجب توفرها في كل فرد ، لأنّ اللَّه أتم حجته وليس لأحد العذر في مخالفته . وزبدة الكلام فان ترك الذنب وشكر النعم على مرحلتين :
الأولى : هي وظيفة كافة المسلمين ، وهى في الواقع شرط الإيمان . والثانية : أرفع من سابقتها تنطوي على الورع والتقوى من الشبهات وقصر الامل وهذا ما يليق بالزهاد من أهل الإيمان .
هامش
( 1 ) نهجالبلاغة ، الكلمات القصار / 439 .
( 2 ) الكافي 2 / 131 ، ح 11 .
( 3 ) « عزب » من مادة « عزوب » على وزن غروب بمعنى بعد ، ومن هنا وردت بمعنى ترك الزواج ، حيث يطلقعله صاحبه اسم الأعزاب .
( 4 ) « مسفرة » من مادة « سفور » على وزن قبور بمعنى الكشف وخلع الحجاب ، وعليه فالعبارة تعني الأدلة التيتكشف النقاب عن الحقيقة .