والقماءة « 1 » » وكيف لا يعيش الذل والهوان والضعة من ضيع هذا السند العظيم ؛ أي الجهاد .
وصحيح أنّ العبارتين قريبتان من بعضهما بالمعنى ، إلّاأنّ هناك فارقاً طفيفاً ، حيث كان الكلام هناك عن الذلة وهنا عن الحقارة والضعة . فالمفهومان مختلفان إلّاأنّها من قبيل اللازموالملزوم . وأمّا المصيبة الأخرى التي تطيل تارك الجهاد فهي
« وضرب على قلبه بالأسهاب » « 2 »
فالأفراد الضعفاء والعجزة والمهزومون إنّما يعانون من الأوهام على الدوام فلا يسعهم تقييم الحقائق كما هي . فخشية العدو تجعلهم يعيشون في هالة من الخيالات المرعبة ، أو أنّهم يلجأون إلى بعض الخرافات من أجل تحقيق النصر كأن يتخلوا عن السيف والمقاومة ويلوذوا بالسحرة والكهنة .
وقد حفل التأريخ بنماذج حيّة لمثل هؤلاء الأفراد ، الذين لا يكشفون بذلك سوى عن ضعفهم وعجزهم ، بينما يتنزه المجاهدون الشجعان عن مثل هذه السفاسف .
ثم ذكر الأثر السلبي الخامس بقوله عليه السلام
« وأُديل « 3 » الحق منه بتضييع الجهاد »
، وذلك لأنّ الحق - كما ورد في المثل المعروف - يؤخذ ولا يعطى . فالطواغيت وأصحاب المنطق الغاشم والمستبدون لا يفوضون الحق لأصحابه أبداً ، ولابدّ من التحلي بالقوة من أجل انتزاع الحق من براثن أولئك الطغاة ؛ الأمر الذي نوه له الإمام عليه السلام في الخطبة التاسعة والعشرين بقوله
« لا يدرك الحق الا بالجد »
وأمّا الأثر السلبي السادس « وسيم الخسف » وبالالتفات إلى اطلاق الخسف والخسوفعلى زوال نور القمر والاختفاء في الأرض ، وان « سيم » من مادة « سوم » بمعنى الحركة إثر شيء فان مفهوم الجملة سيكون : أنّ تاركي الجهاد في الواقع إنّما يسيرون باتجاه الزوال والانقراض ؛ الأمر الذي لاحظناه بوضوح في الأمم والبلدان التي آلت إلى السقوط والانهيار إثر تقاعسها عن الجهاد . « 4 »
هامش
( 1 ) « القماءة » بمعنى الصغار والذل .
( 2 ) الأسهاب ذهاب العقل أو كثرة الكلام ، أي حيل بينه وبين الخير بكثرة الكلام بلا فائدة ، وقدورت بهذا المعنى في الخطبة .
( 3 ) « أديل » من مادة « دولة » ، قال صاحب المقاييس لها معنيين ؛ الأول التحول والانتقال ، والآخر الضعف ، وأريد بها هنا المعنى الأول .
( 4 ) فسرها جمع من شرّاح نهج البلاغة بالذلة والهوان على أنّها من قبيل تكرار وتأكيد العبارات السابقة ، أمّا ما أوردته في المتن فإنه ورغم انسجامه مع المتون اللغوية الا أنه ينطوي على معنى جديد يأبى التكرار ، وعليه يبدو هو التفسير الأنسب .