ثم شبه الإمام عليه السلام الجهاد بالدرع الحصينة والجنّة الوثيقة ، والوسيلتان من المعدات الدفاعية في القتال ، حيث لم يكن من أمان لأولئك الذين يخوضون المعارك سابقاً ولم يتدرعوا ، وهذا هو حال الامّة التي تترك الجهاد فهي ضعيفة خاوية تجاه ضربات العدو . ولعل هذه العبارة تشير إلى حقيقة وهى أنّ الجهاد لا يراد به الهجوم على الآخرين ومن أجل التوسع والسيطرة ونهب الأموال والثروات وفرض الأفكار والعقائد ، لأننا نؤمن بأنّ الإسلام والقرآن إنّما يستند إلى منطق قوي يغنيه عن شهر السيف بوجه المقابل . وعليه فانّما شرع الجهاد من أجل حفظ المجتمع الإسلامي وإزالة الموانع التي تعترض أساليب التبليغ والقضاء على الموانع التي تحول دون حرية البيان .
أمّا الحروب المعاصرة فهي وإن نحت الدروع القديمة إلّاأنّها تعتمد اليوم الوسائل التي تفوقها في الدفاع من قبيل المدرعات والمصفحات والمواضع المحصنة ، كما تلجأ إلى بعض الملابس الخاصة بغية مواجهة الهجمات الكيميائية بحيث لا تتأثر من قريب أو بعيد بخطر هذه الأسلحة .
جدير بالذكر أن ما ذكر بشأن تفسير عبارة الجهاد الأصغر ( العدو الخارجي ) يصدق تماماً على الجهاد الأكبر ( جهاد النفس ) ؛ حيث لا طاقة للإنسان بهجمات الشيطان دون جهاده لنفسه . ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى الآثار السلبية التي يتمخض عنها ترك الجهاد ليوجزها في سبع نقاط ، فقال :
« فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللَّه ثوب الذل »
وقوله عليه السلام ( رغبة عنه ) إشارة إلى استثناء الأفراد من هذا الحكم ممن يمتلكون الأعذار الموجهة التي لا تجعلهم قادرين على خوض الجهاد من قبيل العجز والمرض ونحو ذلك ؛ الأمر الذي أكدته بعض الآيات القرآنية . « 1 » الأثر السلبي الثاني لترك الجهاد « وشمله البلاء » فمثل هذا الفرد أو الأمّة إنّما يعتكف في موضع أعزل يجعله عرضة لحملات الحيوانات المفترسة بحيث تدخل عليه دون أدنى مقاومة ، والجهاد وحده هو الذي يشكل السد الحديدي إزاء مثل هذا البلاء فينأى بالإنسان بعيداً عن هذه الحيوانات . أمّا الأثر السلبي الثالث فقد أشار إليه الإمام عليه السلام بقوله « وديث « 2 » بالصغار « 3 »
هامش
( 1 ) سورة التوبة / 91 - 92 .
( 2 ) « ديّث » من مادة « ديث » بمعنى الذلة والهوان ، ومن هنا يصطلح بالديوث على من لا يكترث لعفة أهله ، كأنهقد ذلل حتى صار كذلك .
( 3 ) « صغار » بمعنى الذلة .