أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ » « 1 » .
بل ورد في الحديث النبوي الشريف أنّ هذه الرحمة لمن السعة بحيث يتطاول عليها ويطمع بها حتى إبليس
« ليغفر اللَّه يوم القيامة مغفرة ما خطرت على قلب أحد حتى إبليس يتطاول إليها » « 2 »
كما جاء في الرواية : « أنّ للَّه مئة رحمة وقد أنزل واحدة منها إلى الأرض وقسمها بين مخلوقاته ، وإستأثر بتسع وتسعين إدخرها لعباده يوم القيامة » « 3 » . ولما كانت هذه الأمور تسوق الناس إلى العبادة ، قال عليه السلام :
« ولا مستنكف « 4 » عن عبادته »
وذلك لأنّ الاستنكاف عن العبادة لا يؤدي سوى إلى العذاب ، فقد قال القرآن بهذا الخصوص « وَأَمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً » « 5 » . ثم عد نعمتين أخريين عليه السلام فقال
« الذين لا تبرج منه رحمة ، ولا تفقد له نعمة »
فقد تكررت الرحمة والنعمة وكأن السابقة أشارت إلى أصل الرحمة والنعمة الإلهية ، بينما تحدثت العبارة اللاحقة عن دوام هذه النعمة وعدم انقطاعها ، وهذا ما ورد تأكيده في القران « وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها » « 6 » . والطريف في الأمر أنّ هذين الوصفين في الواقع ذكرا كدليل على عدم استنكاف الناس عن عبادة اللَّه ؛ الأمر الذي تناوله علم الكلام تحت عنوان
« شكر المنعم من دوافع معرفة اللَّه » .
أمّا المفردات الرحمة والمغفرة والنعمة فهي وإن كانت مرتبطة مع بعضها إلّا أنّ مفاهيمها مستقلة ، فللرحمة معنى واسع يشمل كل فضل ولطف من اللَّه للعباد سواء عن طريق إفاضة النعم أو مغفرة الذنوب ، وبعبارة أخرى فانّ نسبة الرحمة إلى النعمة والمغفرة هي نسبة العموم والخصصوص المطلق ، بينما لكل من النعمة والمغفرفة مفهوم منفصل عن الآخر ، فالنعمة تختص بالإمكانات الوجودية التي تأخذ بيد الإنسان إلى السمو والكمال ، أمّا المغفرة فهي إزالة آثار الذنب وتعبيد الطريق بعد إزالة العراقيل .
هامش
( 1 ) سورة الزمر / 53 .
( 2 ) في ظلال نهجالبلاغة 1 / 226 .
( 3 ) مجمع البيان ذيل تفسر بسم اللَّه الرحمن الرحيم من سورة الفاتحة .
( 4 ) « إستنكاف » من مادة « نكف » على وزن نظم بمعنى الابعاد ، والانتكاف بمعنى الخروج من أرض إلىاخرى ، والاستنكاف بمعنى الآباء والاعراض عن الشيء .
( 5 ) سورة النساء / 173 .
( 6 ) سورة النحل / 18 .