وتهيئته لعالم الآخرة المفعم بالخير والبركة . وقد تظافرت الروايات التي تعرضت لبيان حقيقة الدنيا بعدة تعبيرات مختلفة رائعة ، ومن ذلك الخطبة التي نحن بصددها والتي شبّه فيها الإمام عليه السلام الدنيا بالدورة التدريبية التي يستعد فيها الإنسان لسباق الآخرة ، الذي يحصل فيه الغالب على الجنّة والخاسر النار . وقد جاء في الحديث أن
« الدنيا مزرعة الآخرة » « 1 »
ومن الواضح أنّ المزرعة ليست مكاناً للحياة والاستقرار بل هي مكان للتزود من أجل مكان آخر ، وقد عبّر عنها بالمتجر ودار الموعظة والمصلى ، كما أورد ذلك الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة فقال
« إنّ الدنيا دار صدق لمن صدقها . . . ودار موعظة لمن اتعظ بها ، مسجد أحباء اللَّه ومصلى ملائكة اللَّه ومهبط وحي اللَّه ومتجر أولياء اللَّه » « 2 »
. وروي عن الإمام السجاد عليه السلام أنّ المسيح عليه السلام قال للحواريين :
« إنّما الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها » « 3 »
. كما عبر عنها الإمام علي عليه السلام بأنّها
« دار ممر » « 4 » و « دار مجاز » « 5 »
. وأخيراً فقد وصفها الإمام الهادي عليه السلام بالسوق الذي يتضمن الربح والخسارة
« الدنيا سوق ربح فيها قوم وخسر آخرون » « 6 »
. والخلاصة فانّ كل هذه العبارة ترشد إلى عدم النظر إلى الدنيا على أنّها هي الهدف النهائي ، بل هي وسيلة لادخار العمل الصالح وكسب المعارف من أجل الظفر بالدار الآخرة . ولعل البعض يرى أنّ هذا الموضوع ساذج ، إلّاأنّ الواقع هو أنّ أهم مسألة مصيرية في حياة الإنسان في أنّه كيف يتعامل مع الإمكانات المادية التي زود بها في هذه الحياة وكيف ينظر إلى هذه الدار ، هل يراها وسيلة وأداة من أجل الوصول إلى هدف معيّن ، أم يراها هي الهدف النهائي وليس وراءها شيء . والواقع أنّ تأكيد الإمام عليه السلام في بداية الخطبة على أن الدنيا ميدان الاستعداد لسباق الآخرة إنما يشكل الدعامة الأساسية الراسخة لسائر المواعظ المهمة التي وردت في هذه الخطبة .
هامش
( 1 ) ورد هذا الحديث النبوي في غوالي اللئالي 1 / 267 .
( 2 ) نهج البلاغة ، الكلمات القصار / 131 .
( 3 ) بحار الأنوار 14 / 319 ح 21 .
( 4 ) نهج البلاغة ، الكلمات القصار / 133 .
( 5 ) نهج البلاغة ، الخطبة 203 .
( 6 ) بحار الأنوار 75 / 366 ، مواعظ الإمام الهادي عليه السلام