واشتعال الرأس شيباً والأمراض الفتاكة التي تودي بحياة الأفراد ، حقاً لقد أصيبت الدنيا بالصمت والسكوت ، إلّاأنّه ما زالت تتحدث بلسان العبرة ! وهذا ما أشار إليه الإمام عليه السلام في احدى خطبه
« فكفى واعظاً بموتى عاينتموهم ، حملوا إلى قبورهم غير راكبين وانزلوا فيها غير نازلين ، فكأنهم لم يكونوا للدنيا عماراً وكأن الآخرة لم تزل لهم داراً » . « 1 »
ثم أشار عليه السلام في النقطة الثانية إلى موضوع إقبال الآخرة
« وإن الآخرة قد أقبلت ، وأشرفت باطلاع » « 2 »
. إنّ الموت يعد المنزل الأول من منازل الآخرة والذي يبتلع أبناء الدنيا ، وهذا بدوره من علامات إقبال الآخرة . ومن هنا فقد أوصى الإمام عليه السلام الجميع بالاستعداد إلى الآخرة ومغادرة الدنيا والتزود لتلك الدار المحفوفة بالخطر قبل فوات الأوان . وذكر عليه السلام في النقطة الثالثة بالرابطة القائمة بين داري الدنيا والآخرة فقال
« ألا وإن اليوم المضمار « 3 » وغداالسباق « 4 » والسبقة الجنّة والغاية النار »
فقد شبه عليه السلام بهذه العبارة الرائعة الإنسان بالخيال الذي يخوض السباق ، فمن الواضح أنّ مثل هذا الإنسان وعلى غرار الخيال يحتاج إلى التمارين والتدريبات المسبقة ، حيث تصطلح العرب بالمضمار على الموضع أو الزمان الذي يضمر فيه الحيوان ، بل يطلق على الحيوان الذي ينحف إثر التمارين لا على كل حيوان كما صرح الراغب في المفردات . آنذاك يبدأ السباق الذي يتضمن الفوز والخسارة وتسلم الجوائز من قبل الفائزين . فالإمام عليه السلام يرى الدنيا ميدان التأهب والاستعداد والآخرة ميدان السباق والجوائز ، وسوف تكون جائزة الفائزين الجنّة ونصيب الخاسرين النار . ومن البديهي أنّ أحداً لا يسعه التمرين في ميدان السباق ، بل عليه أن يتمرن ويعد نفسه قبل السباق ؛ وهكذا الحال في المحشر ،
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 188 .
( 2 ) « اطلاع » من مادة « طلع » بمعنى الظهور ، وطلوع الشمس بمعنى ظهورها ، ويرى البعض أنّها تطلق علىالعلم المفاجئ ، وأشرفت باطلاع ، أقبلت بغتة .
( 3 ) « المضمار » : الموضع والزمن الذي تضمر فيه الخيل ، وتضمير الخيل أن تربط ويكثر علقها وماؤها حتىتسمن ، ثم يقلل علفها وماؤها وتجري في الميدان حتى تهزل ، ثم ترد إلى القوت ، والمدة أربعون يوماً ، وقد يطلق التضمير على العمل الأول أو الثاني ، واطلاقه على الأول لأنّه مقدمة للثاني وإلّا فحقيقة التضمير احداث الضمور وهو الهزل وخفة اللحم ، وإنّما يفعل ذلك بالخيل لتخف في الجري يوم السباق .
( 4 ) « السباق » من مادة « سبق » ومسابقة من باب مفاعلة ولسباق نفس المعنى . وسبقة بمعنى الهدف المطلوبالذي يتسابق من أجله أو بمعنى الجائزة .