الشرح والتفسير
عذر أقبح من ذنب
كما أوردنا آنفا فانّ الإمام عليه السلام ألقى هذه الخطبة كرد على الزبير الذي حاول تبرير نكثه للبيعة بأنّه بايع مكرها بيده دون قلبه ؛ لأن معاوية بعث له بكتاب قال فيه : أمّا بعد ، فانّي قد بايعت لك أهل الشام ، فأجابوا واستوسقوا ، كما يستوسق الجلب فدونك الكوفة والبصرة ، لا يسبقك إليها ابن أبي طالب فإنه لا شئ بعد هذين المصرين . « 1 »
فما كان من طلحة والزبير الذين كانا يطمعان بالمناصب إلّاأنّ نكثا بيعتهما للإمام علي عليه السلام .
أمّا الإمام عليه السلام فقد رد على زعم الزبير ردّاً حقوقياً يحظى بكافة التبعات المتعارفة اليوم في القوانين القضائية ، فقد قال عليه السلام :
« يزعم أنّه قد بايع بيده ولم يبايع بقلبه ، فقد أقر بالبيعة ، وادعى الوليجة » « 2 »
فالواقع أنّ كلامه مركب من إقرار وادعاء ، فاقراره مسموع ومقبول ، أمّا إدعائه فيحتاج إلى إقامة دليل . ولذلك طالبه الإمام عليه السلام بإقامة الدليل ( ليثبت أن بيعته قد حصلت من خلال الاكراه ) وإلّا وجب عليه الالتزام بلوازم البيعة : «
فليأت عليها بأمر يعرف ، وإلّا فليدخل فيما خرج منه
» لقد رأى أغلب الناس الزبير وطلحة قد دخلا على الإمام عليه السلام وبايعاه طائعين ؛ فقد كانا من أوائل من بايعه في المسجد ، فالبيعة ملزمة ، ومن ادعى خلاف ذلك عليه أن يأتي بالدليل ، أضف إلى ذلك فالكل يعلم بعدم وجود الاكراه والإجبار في بيعة علي عليه السلام ، فقد كان هنالك من لم يبايع ، ولم يضطرهم الإمام عليه السلام إلى البيعة ، وعليه فليس هنالك من مبرر لنكث البيعة . وكما ذكرنا سابقاً فانّ هذا من الأصول الأساسية في كافة المحافل الحقوقية والقضائية ، في أنّ من أبرم عقداً راغباً بالظاهر فقد وجب عليه الالتزام به ولا يقبل منه ادعاء الاكراهالاجبار وعدم تأييد القلب لما فعله باليد ، وإلّا لأمكن لكل واحد أن يقوض ما أبرمه بهذه الذريعة . فالمشتري والبائع والزوج والواقف و . . . إذا أبرم عقدا ولم يرى فيه من مصلحة لاحقا أمكنه أن يدعي بأنّه أبرمه لساناً ولم يكن قلباً موافقاً عليه . وإذا كان الأمر
هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 / 231 .
( 2 ) « وليجة » من مادة « ولوج » بمعنى الدخول ، كما تعني الدخول الخفي ويقال وليجة لما يضمر في القلب ويكتم ، وقد جاءت هنا بمعنى الأمر الخفي .