فالإمام عليه السلام يشرح بهذه العبارة حاله وحال فريق من المؤمنين على عهد خلافة الخليفة الثاني ، بحيث إذا أراد أحدهم أن يصطدم بالخليفة - واستناداً إلى صفاته المذكورة سابقاً - فقد يؤدي ذلك إلى بروز الاختلافات والمشاجرات بين أوساط المسلمين أو الاخطار التي سيتعرض إليها من جانب الخليفة ، وان فضل الصمت برزت الاخطار التي تهدد الكيان الإسلامي والخلافة الإسلامية ، فالواقع هناك خطران لا ينفصلان : خطر الاصطدام بالخليفةخطر فقدان المصالح الإسلامية ولهذا يشكو الإمام عليه السلام ما ألم به وبالمومنين آنذاكيعرض للمشاكل المتفاقمة التي أصابت المسلمين .
كما احتمل بعضي شرّاح نهج البلاغة أنّ الضمير في ( صاحبها ) يعود إلى مطلق الخلافة ؛ أي أنّ طبيعة الخلافة تختزن دائما أحد هذين الخطرين ، فلو أراد الحاكم - الخليفة - أن يتعامل بخرم مع كل شيء كانت هنالك ردود الفعل الحادة والعنيفة ، ولو أراد التعامل على أساس الرفق واللين برز خطر السقوط في وادي الانحراف والخطا وزوال القيم الإسلامية . لكن تشير القرائن إلّاأنّ المعنى الأول هو المراد بالعبارة وهذا ما يتضح بجلاء من خلال التأمل في العبارات اللاحقة « 1 » . ثم قال عليه السلام :
« فمني « 2 » الناس لعمر الله بخبط « 3 » وشماس « 4 » وتلون « 5 »
واعتراض « 6 » » .
فقد تضمنت العبارة إشارة إلى أربع ظواهر نفسية للُامّة في عهد الخليفة الثاني كأنّها تقتبس من رئيس الحكومة ، لانّ لسلوك الحاكم انعكاس واسع على نفوس أبناء الامّة وقد قيل سابقاً
« الناس على دين ملوكهم » .
الأولى : أنّ أتشطتهم وقراراتهم الطائشة سبب ظهور الفوضى في المجتمع .
الثانية : أنّهم خارجون على القوانين الشرعية والنظم الاجتماعية .
هامش
( 1 ) هنالك احتمال ثالث ذكرهنا في أنّ المراد الخلافة على عهد الإمام علي عليه السلام ، حيث شهدت الأوضاع بروز خطرين ، ويبدو هذا الاحتمال مستبعداً .
( 2 ) « منى » من مادة « منو » بمعنى ابتلي وأصيب .
( 3 ) « خبط » بمعنى « ضرب » الناقة للأرض ، وأريد بها السير على غير هدى .
( 4 ) « شماس » بمعنى الاباء والطيش ( إباء ظهر الفرس عن الركوب ) .
( 5 ) « تلون » بمعنى تغيير الحال أو اللون .
( 6 ) « اعتراض » بمعنى السير على غير خط مستقيم ، كأنّه يسير عرضاً في حال سيره طولًا .