وعلى أيّ حال ، لا معنى للمضادّة والمطاردة بين الضدّين بالنسبة إلى المرحلة الأولى ؛ لأنّه يمكن أن يكون لكلّ من الضدّين مصلحة غير مصلحة الآخر ، فكما أنّ إنقاذ ابن المولى يكون ذا مصلحة ، يكون إنقاذ عبده أيضاً ذا مصلحة إلّاأنّ الأولى أهمّ والثانية مهمّ ، بل إنّه لازم معنى التزاحم بين الأمرين ، فلو لم يكن لكلّ منهما مصلحة لم يقع بينهما تزاحم ، بل أكثر الأمور مشتملة على مصالح متزاحمة ، بعضها أهمّ من بعض .
وكذلك المرحلة الثانية ؛ أي مرحلة الإنشاء ، فإنّ إنشاء الأمر بالأهمّ لا ينافي إنشاء الأمر بالمهمّ مع قطع النظر عن مرحلة الامتثال .
وكذلك مرحلة الفعليّة ؛ لأنّه ما دام المولى لم يأمر في مرحلة الإنشاء بالجمع بين الحكمين في آنٍ واحد لم يلزم مضادّة في مرحلة الفعليّة .
وإن شئت قلت : إنّ الأمر بالواجب الفوري ينحلّ إلى أوامر متعدّدة بتعدّد الآنات ، ففي كلّ آن إذا فرض العصيان كان الأمر بالأهمّ ساقطاً وصار المهمّ منجّزاً ، وهكذا في الآن الثاني والثالث إلى آخر الآنات ، وعليه فلا يجتمع في آنٍ من الآنات أمران منجّزان بفعلين متضادّين أصلًا .
وبهذا يظهر الحكم بالنسبة إلى المرحلة الرابعة ، لأنّ المولى إذا لم يأمر بالجمع بين الفعلين في مرحلة الإنشاء والفعليّة لم يجب على المكلّف إتيانهما في آنٍ واحد في مقام الامتثال فلا مضادّة بينهما في هذه المرحلة أيضاً .
وأمّا الوجه الثاني وهو دليل الوجدان ، فإنّه قويّ جدّاً ومجرّد افتراض كون الأمر بالمهمّ إرشاديّاً في بعض الموارد لا يستلزم أن يكون كذلك في سائر الموارد ، وهكذا رفع اليد عن الأمر بالأهمّ في بعض الموارد لا يستلزم رفع اليد عنه في الجميع ، فإنّا نجد بوجداننا في كثير من الموارد أنّ المولى يأمر بالمهمّ مولوياً مع بقاء أمره بالأهمّ على قوّته بتصريحه بذلك ، فيقول مثلًا : « أطعم الفقير بهذا الطعام » ويؤكّد على ذلك بمرّات فإذا شاهد عصيان العبد يقول : « أقول لك أطعم الفقير بهذا الطعام
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة ) — صفحة 91
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٩١