الكلام في الترتّب
استدلّ القائلون بجواز الترتّب بوجوه « 1 » عمدتها وجهان :
الوجه الأوّل : أنّ منشأ الإشكال في الأمر بالضدّين إنّما هو التزاحم الموجود بين المهمّ والأهمّ ، ولا إشكال في أنّ التزاحم إنّما يتصوّر فيما إذا كان كلا الأمرين مطلقاً وفي عرض واحد ، وأمّا إذا كان أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً بعصيانه فلا مضادّة ولا مطاردة بينهما .
الوجه الثاني : لا ريب في أنّ الوجدان حاكم بجواز الأمر الترتّبي ووقوعه في الخارج ، من قبيل أمر الوالد ولده بقوله : تعلّم الفقه وإلّا فتعلّم الطبّ ، وهكذا في أوامر الموالي العرفيّة لعبيدهم ، كأن يقول : « كن في الدار في الساعة الفلانيّة وإن عصيتني وخرجت من الدار فكن على جانبه حتّى لو قصدني عدو بسوء تسمع ندائي » .
ولكن أجيب عن الوجه الأوّل : بأنّ التزاحم والمضادّة وإن لم تكن بين الأمرين في مرحلة الأمر بالأهمّ ، ولكنّها موجودة بينهما في مرحلة الأمر بالمهمّ ، بداهة أنّ فعليّة الأمر بالأهمّ باقيّة على قوّتها ولا تسقط بإرادة العصيان .
إن قلت : الأمر بالأهمّ وإن كان فعليّاً بعد ، ولكن لا يمنع عن الأمر بالمهمّ إذا كان ترك الأهمّ ناشئاً عن سوء اختيار المكلّف كما فيما نحن فيه ، فهو بسوء اختياره أوجب الجمع بين الأمر بالضدّين .
قلت : الجمع بين الضدّين محال ولا يمكن صدور الأمر به من جانب المولى الحكيم ، من دون فرق بين سوء اختيار المكلّف وحسن اختياره كما لا يخفى .
إن قلت : إنّ المزاحمة والمضادّة موجودة بين الأمرين المتعلّقين بضدّين إذا كانا في عرض واحد لا ما إذا كان أحدهما في طول الآخر ، لأنّ الأمر بالمهمّ حينئذٍ يكون متوقّفاً على إرادة عصيان الأمر بالأهمّ .
قلت : المزاحمة والمطاردة وإن لم تكن موجودة في مرتبة المهمّ ، بالنسبة إلى
هامش
( 1 ) . انظر : جامع المقاصد ، ج 5 ، ص 13 و 14 ؛ كشف الغطاء ، ج 1 ، ص 27 ؛ فوائد الأصول ، ج 1 ، ص 336