الذهن ، والمقدّمة وذو المقدّمة هما بمنزلة العلّة والمعلول في الخارج العيني ، ومجرّد المغايرة الذهنيّة غير كافٍ قطعاً .
هذا كلّه بالنسبة إلى إمكان تصوّر المقدّمة الداخلية وعدمه .
ثمّ على فرض إمكان تصوّرها وقع البحث في أنّها هل هي داخلة في محلّ النزاع في المقام أو لا ؟
واستدلّ لخروجها عنه بأنّ الأجزاء هي عين الكلّ خارجاً وإن تغايرا اعتباراً وحينئذٍ تجب الأجزاء بعين وجوب الكلّ ، غايته أنّه يجب الكلّ بوجوب نفسي استقلالي ويجب كلّ واحد من الأجزاء بوجوب نفسي ضمني ، أي في ضمن وجوب الكلّ ، ومن المعلوم أنّه بعد اتصاف كلّ واحد من الأجزاء بالوجوب النفسي الضمني يكون اتصافه بالوجوب الغيري لغواً ، بل غير ممكن عقلًا وذلك لامتناع اجتماع المثلين « 1 » .
ولكن يرد عليه : أنّ استحالة اجتماع المثلين بحكم العقل إنّما هو في الأمور التكوينيّة الحقيقيّة لا الأمور الاعتباريّة كما في ما نحن فيه ، فلا يلزم من اجتماع المثلين في المقام محذور غير اللغويّة .
وبالجملة : إنّ المستحيل عقلًا إنّما هو اجتماع البياضين مثلًا في محلّ واحد لا اجتماع الوجوبين على شيء واحد مثل صلاة الظهر الواجبة بنفسها وواجبة لمقدّميتها لصلاة العصر ، وحينئذٍ لا مانع عقلًا من اجتماع وجوب نفسي ووجوب غيري في الأجزاء .
والحقّ في المسألة أن يقال : إنّ وجوب الأجزاء ليس وجوباً مقدّمياً وإن فرضنا مقدّميتها للكلّ بنحو من التكلّف ، بل وجوب كلّ واحد منها وجوب ضمني فكأنّ الأمر بالكلّ انبسط على الأجزاء ، فكان كلّ جزء بعض المأمور به ، وحينئذٍ لا تصل النوبة إلى الأمر المقدّمي الناشئ من الأمر بالكلّ .
هامش
( 1 ) . كفاية الأصول ، ص 90