الأمر الرابع : ربما يتوهّم أنّه لا فرق بين هذه المسألة ومسألة دلالة الأمر على المرّة والتكرار ؛ لأنّ لازم الإجزاء هو إتيان المأمور به مرّة واحدة ، ولازم عدم الإجزاء هو إتيانه مكرّراً ، وعليه فلا وجه لعقدهما مسألتين مستقلّتين .
لكن الفرق بينهما واضح ، لأنّ البحث في مسألة المرّة والتكرار يكون في مفاد صيغة الأمر ومقدار داعوية الأمر ، وأمّا في مسألة الإجزاء يكون في اقتضاء الإتيان والامتثال للمأمور به بما له من الدعوة الإجزاء ؛ سواء كان المأمور به واحداً أو أكثر .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ البحث يقع في مقامات أربع :
1 . إجزاء الإتيان بالمأمور به الواقعي أو الظاهرىّ أو الاضطراري عن أمر نفسه .
2 . إجزاء الإتيان بالمأمور به الاضطراري عن الأمر الواقعي الاختياري .
3 . إجزاء الإتيان بالمأمور به الظاهري الشرعي عن الأمر الواقعي .
4 . إجزاء الإتيان بالمأمور به الظاهري العقلي عن الأمر الواقعي .
المقام الأوّل : إجزاء المأمور به عن أمر نفسه
والحقّ أنّه لا إشكال في كون إتيان المأمور به فيها مجزياً عنها ، والدليل عليه هو العقل ؛ لأنّ الامتثال بعد الامتثال مع حصول الغرض تحصيل للحاصل .
ولكن قد خالف فيه أبو هاشم وعبدالجبّار من قدماء المتكلّمين من أهل السنّة فقالا : بأنّه يمكن القول بعدم الإجزاء فيها « 1 » ، ولعلّ منشأ خطأهما وجود بعض الأمثلة في الفقه الّتي قد امر فيها بإتمام العمل مع الأمر بإعادته كالحجّ الفاسد الذي أمر الشارع بإتمام مناسكه مع إيجابه الإعادة في السنة القابلة .
والمسألة عندنا ممّا لا إشكال فيها ولا غبار عليها لما مرّ من حكم العقل بالإجزاء وأمّا ما أشير إليه من مثال الحجّ ونحوه فالمستفاد من جملة من الروايات
هامش
( 1 ) . انظر ، المحصول في علم الأصول للفخر الرازي ، ج 2 ، ص 246 ؛ الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ، ج 2 ، ص 175