والإنصاف جواز تقليد غير الأعلم في هذه الصورة ، والدليل عليه جريان سيرة العقلاء عليه كما نشاهده بالوجدان ، وإلّا لانسدّت أبواب الأطبّاء غير الأعلم وغيرهم من خبراء سائر الفنون والحرف ؛ لأنّه لا ريب في أنّ الشكّ في الخلاف موجود في غالب الموارد ، كما أنّ كون بعضهم أعلم من بعض ثابت أيضاً .
هذا مضافاً إلى أنّه لا مانع لشمول إطلاقات أدلّة الحجّية لغير الأعلم في هذه الموارد لأنّه لا موجب لانصرافها .
مدار الأعلمية على ماذا ؟
قد مرّ أنّ المعيار فيها هو شدّة القوّة والقدرة على استخراج الأحكام الشرعيّة من أدلّتها ، ولا إشكال في أنّ معرفة هذا ليس مشكلًا لأهل الخبرة ولو كانوا في المراتب التالية بالنسبة إلى المجتهد محتمل الأعلمية ، وهذا ما ندركه بوجداننا العرفي ، فمن كان له معرفة بقواعد الشعر وموازينه مثلًا يقدر على أن يرجّح بعض الشعراء على بعض ، وكذا في الأطبّاء والحكماء وغيرهم .
ويمكن تلخيص موازين الأعلمية في عدّة أمور :
1 . أن يكون أعلم في معرفة أصول الفقه ومبانيه وكيفية الورود في المسألة والخروج عنها .
2 . أن يكون أعلم بمنابع الأحكام من الآيات والروايات ورجال الحديث وسائر الأدلّة الأربعة .
3 . أن يكون أدقّ وأعمق نظراً في فهم الأدلّة .
4 . أن يكون أقوى حفظاً وأشدّ تسلّطاً على الفروع فإنّ مسائل الفقه مع افتراق بعضها عن بعض وانتشارها في أبواب مختلفة تكون ذا ارتباط ونسج خاصّ في كثير منها ، كما لا يخفى على الخبير ، فإنّ ملاحظة بعضها مع بعض يورث معرفة خاصّة بمواقع الأحكام .
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة ) — صفحة 360
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٦٠