وثانياً : قد مرّ أيضاً أنّ إطلاقات أدلّة الحجّية لا تعمّ الحجّتين المتعارضتين كما في ما نحن فيه ، وحينئذٍ لابدّ أن يقال إمّا بتعارضهما ثمّ تساقطهما ، أو يقال بأنّ القدر المتيقّن منهما هو الأعلم ، ولا ريب في أنّ المتعيّن هو الثاني .
هذا كلّه في أدلّة المنكرين لاعتبار الأعلمية .
المختار في المسألة
المختار هو التفصيل بين صور أربعة :
الأولى : ما إذا علم تفصيلًا بالخلاف بين الأعلم وغيره ، كما إذا ذهب أحدهما إلى وجوب صلاة الجمعة والآخر إلى حرمتها أو عدم وجوبها في عصر الغيبة .
ففي هذه الصورة لا ريب في وجوب تقليد الأعلم ، ومن البعيد جدّاً شمول كلمات القائلين بجواز تقليد غير الأعلم لهذه الصورة .
الثانية : صورة العلم بموافقتهما تفصيلًا .
والظاهر عدم وجود محذور لتقليد غير الأعلم في هذه الصورة ؛ لأنّ المفروض أنّ عمل المقلّد حينئذٍ مطابق للحجّة على أيّ حال ، إنّما الكلام في لزوم استناده إلى خصوص قول الأعلم ، ولا إشكال في عدم لزومه بعد العلم بموافقتهما معاً ، مضافاً إلى أنّ بناء العقلاء أيضاً على عدم ترجيح رأي الأعلم في هذه الصورة لعدم فائدة فيه ، كما هو واضح .
الثالثة : ما إذا علمنا إجمالًا بوجود الخلاف بينهما في ما يبتلى به من المسائل .
وفيها أيضاً لا ينبغي الإشكال في وجوب تقليد الأعلم ؛ لأنّ العلم الإجمالي المزبور يوجب عدم شمول إطلاقات الحجّية لمثل هذه الموارد وانصرافها عنها ، ولا أقلّ من إجمالها ، والقدر المتيقّن حينئذٍ هو الرجوع إلى الأعلم ، كما أنّ سيرة العقلاء أيضاً ترجيح الأعلم في هذه الموارد .
الرابعة : ما إذا شككنا في وجود الخلاف وعدمه .
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة ) — صفحة 359
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٥٩