أمّا القسم الثاني : من أنّ للَّهفي كلّ واقعة حكماً لمن وصل إليه الخطاب ، وأمّا من لم يصل إليه الخطاب فلا حكم في حقّه ، بل تصل النوبة حينئذٍ إلى تقنين الفقيه ، فهو أيضاً باطل بكلتا مقدّمتيه .
لأنّ القول بأنّ الأحكام مخصوصة للعالمين فقط مخالف لظاهر جميع أدلّتها ، فإنّ مثل قوله تعالى : « كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ » « 1 » ، وقوله تعالى :
« إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً » « 2 » ، عامّ للجاهل والعالم ، وليس العلم مأخوذاً في موضوعه ، بل العلم طريق إليه ، ولو فرضنا اختصاص الأحكام بالعالمين فلا دليل أيضاً على إعطاء حقّ التقنين بيد الفقيه كما مرّ .
وأمّا القسم الثالث : وهو التصويب المبني على القول بسببيّة الأمارات ، ففيه أيضاً :
أنّه لا دليل على سببيّة الأمارات ، فإنّ ظاهر أدلّتها هو الطريقيّة كما مرّ بيانه في محلّه ، فقد قلنا هناك إنّ قوله تعالى : « فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ » بمعنى « فاسألوا حتّى تعلموا » .
وممّا يؤكّد هذا المعنى ما مرّ كراراً من أنّ الأمارات الشرعيّة جلّها - لولا كلّها - امضاءات لبناءات العقلاء ، ولا إشكال في أنّها عند العقلاء طرق إلى الواقع فقط .
المصلحة السلوكية وخروجها عن التصويب موضوعاً
وأمّا القسم الرابع : وهو أن يكون المراد من التصويب جعل أحكام ظاهريّة مماثلة لمؤدّيات الطرق والأمارات فلا إشكال فيه ، بل لا يسمّى هذا تصويباً ، فإنّ تسميته بالتصويب خلاف الاصطلاح ؛ لأنّ مصطلح الفقهاء فيه إنّما هو في الأحكام الواقعيّة .
وقد يكون في سلوك هذه الطرق مصالح أهمّ من المصالح الواقعيّة الّتي تفوت من المكلّف ، وهي الّتي يعبّر عنها بالمصالح السلوكية ، وبهذا يندفع ما أورد على حجّية
هامش
( 1 ) . سورة البقرة ، الآية 183
( 2 ) . سورة النساء ، الآية 103