الأمر الثالث : دور الزمان والمكان في الاجتهاد
قد نعلم أنّ الأحكام تابعة لموضوعاتها متابعة الظلّ لذي الظلّ وقد يتبدّل الموضوع بتبدلّ الزمان أو المكان ، فترى للماء في المفازة والصحاري مالية فيجوز بيعه فيها ، بينما لا يكون له مالية على الشاطئ فيبطل بيعه ، هذا من قبيل تأثير المكان في الموضوع ، وترى الحكم بجواز بيع الثلج في الصيف دون الشتاء لكونه مالًا في الأوّل دون الثاني وهذا من قبيل تأثير الزمان في الموضوع .
ومن أمثلتها الواضحة في يومنا هذا الدم الذي كان بيعه وشراؤه حراماً في الأزمنة السابقة باعتبار عدم وجود منفعة محلّلة معتدّ بها له ، ولكن الآن لا إشكال في جواز بيعه وشرائه لما له من منافع محلّلة مقصودة ، حيث لا تنحصر منافعه في الأكل المحرّم أو الصبغ الذي يعدّ من المنافع النادرة ، فإنّ الدم في يومنا هذا عنصر حياتي يمكن به إنقاذ نفس إنسان من التهلكة ، ولذا تكون له مالية عظيمة محلّلة معتدّ بها لنجاة المصدومين والجرحى وكثير من المرضى ، لا سيّما في العمليات الجراحية فلِم لا يجوز بيعه في زماننا والحال هذا ؟
ومن أمثلتها أيضاً : ما قد يقال في مسألة تقليل المواليد وأنّها كانت مرجوحة في الأعصار السابقة ، بينما هي راجحة في زماننا في بعض البلاد الّتي تكون كثرة النفوس فيها موجبة للفقر الشديد والتأخّر والمفاسد الأخلاقية العظيمة .
فإنّ ما ورد في الترغيب على تكثير النسل والمواليد كالنبوي المعروف :
« تناكحوا تكثروا فإنّي أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط » « 1 »
ناظرة إلى الأعصار السابقة والأمصار الّتي كانت كثرة النفوس فيها سبباً للقدرة والسلطة ، فما كان من الجوامع الانسانية أكثر نفراً كان أشدّ قدرة وأكثر قوّة ، كما يشهد عليه قوله تعالى : « كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَاداً » « 2 » ، وقوله تعالى : « وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 100 ، ص 220
( 2 ) . سورة التوبة ، الآية 69