15 . النسبة بين الاستصحاب وسائر الأصول العمليّة
والكلام فيه أيضاً يكون في وجه تقديم الاستصحاب على سائر الأصول ، وإلّا لا إشكال في أصل تقدّمه عليها ، بل ادّعى اتفاق الأصحاب عليه .
وأعلم أنّ الأصول العمليّة على قسمين : عقليّة وشرعيّة ، أمّا العقليّة فهي ثلاثة :
البراءة العقليّة المستفادة من قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، والاحتياط العقلي في أطراف العلم الإجمالي وشبهه ، والتخيير العقلي في دوران الأمر بين الواجب والحرام .
نعم قد مرّ في مبحث البراءة أنّ المختار أنّها عقلائيّة لا عقليّة ؛ لأنّ العقل كما يحكم في موارد العلم الإجمالي بالاحتياط يحكم به في موارد الشبهات البدوية أيضاً ، لما مرّ هناك من أنّ مقاصد المولى لا تكون أقلّ أهمية من مقاصد العبد نفسه ، فكما أنّ العقل يحكم بالاحتياط فيما إذا احتمل العبد كون هذا الطعام مثلًا مضرّاً ضرراً معتدّاً به حفظاً لمقاصده الشخصية ، كذلك يحكم به فيما إذا احتمل كون هذا الشيء مبغوضاً لمولاه .
وعلى هذا فالأصول العقليّة اثنان لا ثالث لهما ، نعم إنّ بناء العقلاء قام على البراءة ، فلا يؤاخذون العبيد والمأمورين بشيء قبل البيان الواصل إليهم ، وقد أمضاه الشارع أيضاً ، ولكنّه ليس فارقاً فيما هو المهمّ في المقام ، لأنّ موضوع البراءة سواء كانت عقليّة أو عقلائيّة هو عدم البيان ، وبعد قيام الاستصحاب يتبدّل عدم البيان إلى البيان .
وكيف كان لا إشكال في أنّ الاستصحاب وارد على الأصول العقليّة لأنّ موضوعها يرتفع به ، أمّا البراءة فلما عرفت آنفاً ، وأمّا الاحتياط ، فلأنّ موضوعه عدم الأمن من العقوبة فيما إذا علم إجمالًا بكون ما في أحد الإناءين خمراً مثلًا ، ومع استصحاب كون أحدهما خلّاً ينحلّ العلم الإجمالي من أصله ويحصل الأمن من العقاب ، وهكذا في التخيير ، فإنّ موضوعه عدم الترجيح بين المحذورين