والاستصحاب مرجّح ، هذا في الأصول العقليّة .
وأمّا الأصول الشرعيّة المنحصرة في البراءة الشرعيّة ، فقد وقع النزاع في وجه تقديم الاستصحاب عليها ، فذهب المحقّق الخراساني رحمه الله إلى أنّ الاستصحاب وارد على البراءة الشرعيّة بمعنى كونه رافعاً لموضوعها بعد قيامه .
وذلك لأنّه لو أخذنا بدليل الاستصحاب لم يلزم منه شيء سوى ارتفاع موضوع سائر الأصول بسببه ، وهذا ليس بمحذور ، وأمّا لو أخذنا بدليل البراءة الشرعيّة دون الاستصحاب فيلزم منه إمّا التخصيص بلا مخصّص إن رفعنا اليد عن الاستصحاب الجاري في مورد البراءة الشرعيّة بدون مخصّص لدليله ، وإمّا التخصيص على وجه دائر إن رفعنا اليد عنه لأجل كون البراءة الشرعيّة مخصّصة لدليله ، فإنّ مخصّصيتها له ممّا يتوقّف على اعتبارها معه ، واعتبارها معه ممّا يتوقّف على مخصّصيتها له ، وهو دور محال « 1 » .
والأولى أن يقال : إنّ الوجه في التقديم : كون أدلّة الاستصحاب بعد ملاحظة التأكيدات الكثيرة والعبارات المترادفة المتعدّدة فيها أقوى وأظهر دلالة من أدلّة البراءة ، فالمرجّح إنّما هو الأظهرية والأقوائية في الدلالة ، ويؤيّده أنّ ألسنة بعض رواياته كقوله عليه السلام :
« فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ »
في الصحيحة الثانية لزرارة وقوله عليه السلام :
« فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين »
في خبر الخصال آبٍ عن التخصيص لا سيّما بعد كون التعليل بأمر ارتكازي عقلي .
16 . تعارض الاستصحابين
وقد قسّمه المحقّق الخراساني رحمه الله إلى قسمين :
فإنّهما تارةً يكونان من قبيل المتزاحمين ؛ أي تكون لكلّ منهما مصلحة واقعيّة
هامش
( 1 ) . كفاية الأصول ، ص 430