والعجيب أنّ الماركسيين وبصورة عامة الماديين ، الذين يعتبرون أنفسهم من رواد الحركات والنهضات التحررية إنّما يعتقدون بحالة من الجبرية التاريخية أو الفلسفية والتي قد لا تختلف في أكثر مواردها مع فرضية المصير المذكورة ، وهنا يسعى الذين يقرون النزعة المادية لتفويض الإنسان مصيره ، ويرون الماهية ( التي يعبرون عنها بمجموعة القيم الفردية والاجتماعية للإنسان ) تابعة له أيضاً .
على أيّة حال يبدو أنّ فكرة الجبر والتقدير التي تبناها خلفاء بني أمية وبني العباس وسائر طغاة التاريخ البشري إنّما هي وليدة مضمونها الاستعماري والتخديري ، فقد برر أحد الامراء هجوم المغول على منطقة واحتلالها بعد أن يأس من صمود الناس ومقاومتهم بأنّ ذلك كان نوعاً من العذاب الإلهي والمصير الحتمي ! فما أحرى الأمّة بالاستسلام لذلك القدر .
وما دعوة الأنبياء حملة أعلام الحرية الإنسانية ، وسعيهم الحثيث لتحرير إرادة الإنسان وتحكمه في مصيره إلّادلالة أخرى على تجذر الفكرة الخاطئة المذكورة .
2 - الموضوع الآخر الذي أنعش تلك الخرافة هو التوجيه الساذج للفشل والهزيمة حيث يمكن تقليد المصير كافة الذنوب والأخطاء وإبعاد الذات عن مسؤوليتها ، ومن هنا قلما ترى من ينسب الانتصارات الكبرى والنجاحات إلى المصير ، كأن ينسب إلى هذا المصير مثلًا نجاحه في الامتحان الوزاري أو نيل المنصب السياسي الفلاني أو كسب التجارة الفلانية ، حيث يعزى مثل هذه الأمور إلى
سر الوجود — صفحة 145
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٤٥