هنا كان ينبغي ألا يكون عالمنا المعاصر سوى كتلة من الطاقة ، هذا من جهة .
ومن جهة أخرى فإنّ طاقات العالم إنّما تتجه دائماً نحو الرتابة والتقسيم المتوازن والمتساوي ، يعني بالضبط كقطعة الحديد الذائبة التي تفقد حرارتها بالتدريج في الفضاء الطليق حتى تصبح حرارتها واحدة مع حرارة الأجسام من أطرافها ، وهذا ما عليه حال طاقات الدنيا .
طبعاً قطعة الحديد المذابة ما دامت لم تبلغ هذه الحالة فهي مصدر بعث للحرارة ( الأشعة تحت الحمراء ) ، إلّاأنّه ما أن تتساوى درجة حرارتها مع الأطراف حتى تخفت سائر الأمواج والأشعة المذكورة ، أضف إلى ذلك حين يكون الحديد مذاباً فإنّ الهواء الملامس له يكون دائم الحركة ، أي يصبح الهواء حاراً ويرتفع إلى الأعلى فيحل محله الهواء البارد ، وهكذا يكون هنالك نسيم معتدل دائم في تلك المنطقة ، أمّا حين تخفت الحرارة ( أو الأصح : تتساوى درجة حرارة الحديد مع درجة حرارة الأطراف ) فإنّ ذلك النسيم يسكن أيضاً .
مثال آخر : حركة الأنهار ودوّي الشلّالات وحركة أمواج البحار وآلاف الظواهر الجميلة المرتبطة بذلك في كافة أجزاء الكرة الأرضية ، كلها وليدة اختلاف سطوحها ، ولو تساوت المياه يوماً في سطح واحد من الكرة الأرضية ، أي لو توزعت بصورة رتيبة في الكرة الأرضية لإنقطعت آنذاك أصوات الشلّالات وخرير المياه ولسادت جميع الأنهار حالة من الصمت الرهيب .
سر الوجود — صفحة 136
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٣٦