القتال حتى في الوقت الذي مالت فيه الكفة لصالح الأعداء ، وهذا يدلّ على القيادة الفذة والحنكة الرائعة للنبي ، سواءً على مستوى تنظيم الجيش وترتيبه ، أو على مستوى الثبات النفسي والتسلط على الأعصاب حتى في أحلك الظروف وأصعب اللحظات .
وقد بقي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله كالجبل في ميدان الحرب بدون أن يفكر في نجاة نفسه وكان يصيح بالمسلمين بصوت عالٍ : « أنا رسول اللَّه ، هَلُمُّوا إليَّ » ، ولما سمع المسلمون صوت النبي أسرعوا إليه وأخذوا بالدفاع عنه .
وهكذا الحال فيما ذكره المؤرخون عن غزوة « حمراء الأسد » وتحرك المسلمين في ملاحقة جيش قريش ، ممّا يبيّن فطنة نبيالإسلام صلى الله عليه وآله وفكرهالثاقب في هذهالعملية العسكرية من الهجوم غير المباشر ، لأنّ انتصار جيش المشركين في غزوة أُحد خلّف أثراً سلبياً عميقاً في أجواء الدعوة الإسلامية وفي نفوس المسلمين وضعفت عزّتهم وعظمتهم بين الأعداء « اليهود والمنافقين » إلى درجة أنّ طائفة من المنافقين أخذوا يفكرون بالهجوم عليهم لكسب بعض الغنائم من المسلمين ، ولهذا السبب تحرك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بشجاعة وسرعة لترميم هذا الخلل وإعادة المياه إلى مجاريها وإعطاء النهضة زخماً جديداً وحيوية لإدامة المسير .
وفي هذا الوقت بالذات أقام المشركون مؤتمراً فيما بينهم في منطقة « روحاء » وقد وصل إليهم خبر تحرك المسلمين بقيادة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لملاحقة جيش المشركين ، فلما سمعوا بهذا الخبر وأنّ النبي الأكرم على مقربة منهم وهو يقود جيشه في منتهى الشجاعة وقد وصلوا إلى « حمراء الأسد » ، اهتزت لذلك معنوياتهم وانكسرت إرادتهم وعرفوا أنّهم عاجزون عن مواجهة المسلمين .
وطبعاً كان خوف أبي سفيان أكثر من الآخرين ، ولذلك أرسل إلى النبي رسالة تهديد ، ولكنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لم يهتم برسالة أبي سفيان وبقي في ذلك المكان بكامل العظمة والوقار مع جيشه وباتوا في « حمراء الأسد » ثلاث ليال وكانوا في هذه الليالي يوقدون ناراً عظيمة لتعلم قريش أنّ المسلمين ثابتون ومستعدون للمواجهة ، وكانوا مستعدين للهجوم على العدو في الوقت المناسب ، وقد أعطت هذه المناورات العسكرية والسياسية ثمارها
الإدارة والقيادة في الإسلام — صفحة 82
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٨٢