ورأي الإسلام واضح بهذا الشأن والقرآن والأحاديث حلت هذا الإشكال قبل أربعة عشر قرناً ، ودعونا نُذكِّر بنقطة حول مقتضى الحكمة الإلهيّة بهذا الخصوص قبل أن نتحدث عن هذا الموضوع من وجهة نظر القرآن والسنة . فالموحد الذي يؤمن باستناد خلق العالم إلى الحكمة الإلهيّة ليستبعد اقتصار الحياة على جزء من الكرة الأرضية من بين ملياردات الكواكب وكأنّها صحارى جرداء تفتقر إلى معاني الحياة والتفكير والشعور ، فهذا الأمر لا ينسجم قط والهدف من الخلق وحكمة الخالق . والقرآن الكريم يشير صراحة إلى وجود الحياة في السماوات فيقول في وصفه لقدرة اللَّه : « وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ » « 1 » .
ولا يكتفي القرآن بالتصريح بوجود الحياة في كواكب السماء ، بل يصرح في بعض الآيات بتكليف هذه الموجودات على غرار تكليف البشر في الأرض وأنّهم سيحشرون إلى ربّهم يوم القيامة : « إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً » ، « 2 » « لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً » « 3 » ، « وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً » « 4 » . فالآيات الثلاث الأخيرة تشير صراحة إلى تكليف هذه الموجودات العاقلة وستحشر يوم القيامة كما هي عليه الحالة بالنسبة للبشر ونكتفي بنقل رواية واحدة من بين الروايات بهذا الشأن .
قال أمير المؤمنين عليه السلام بشأن هذه النجوم : « إنَّ هذِهِ النُّجُومُ الّتي فِي السَّماءِ مَدائِنَ مَثلَ المَدائِنِ الَّتي فِي الأرضِ مَربُوطَة كُلُّ مَدِينَةٍ إِلى عَمَدٍ مَنْ نُورٍ » « 5 » .
وجاء في دعاء الإمام الحسين عليه السلام : « اللُّهمَّ إِنّي أَسئَلُكَ بِكَلِماتِكَ وَمَعَاقِدِ عِزِّكَ وَسُكَانِ سَماواتِكَ وَأَرضِكَ » . فالعبارة تشير بوضوح إلى سكان السماوات - وهم من المقربين - رغم ما فسّره بعض العلماء بالملائكة حيث لا دليل لدينا على الحصر .
هامش
( 1 ) سورة الشورى ، الآية 29 .
( 2 ) سورة مريم ، الآية 93 ، وتستعمل « من » في العربية للعاقل .
( 3 ) سورة مريم ، الآية 94 .
( 4 ) سورة مريم ، الآية 95 .
( 5 ) سفينة البحار ، مادة نجم ، ج 2 ، ص 574 ، كما ورد مثل هذا المضمون في مجمع البحرين ، مادة كوكب وورد ( عمودين من نور ) بدل ( عمود من نور ) وربّما كان المراد قانونا الجاذبة والطاردة ( مجمع البحرين ، ص 122 ) .