وبالتالي شنهم لحربهم الدعائية ضد هذا المذهب ، ولعل لفظ « البداء » من بين هذه الكلمات التي سعوا لتشويهها .
على كل حال للوقوف على حقيقة معنى كلمة « البداء » على ضوء عقائد الشيعة ، نلفت الانتباه إلى معنى هذا المفهوم بشكل مختصر . « 1 » تعني كلمة البداء في العربية : الظهور . قال تعالى في كتابه العزيز بشأن الظلمة « وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون » « 2 » . ويقال أيضاً : بدا من فلان كلام فصيح ، وتستبدل ( من ) أحياناً بحرف ( اللام ) فيقال : بدا لفلان كلام صحيح . ومعنى العبارة الثانية نفس معنى العبارة الأولى . فإنّ عرفنا معنى العبارة الآن « بدا لفلان » نعود إلى أصل الموضوع : ما أكثر ما تتوفر لدينا مقدمات عمل معين ، ولكن ربّما تطرأ بعض الأحداث المفاجئة وتتغير الظروف بحيث لا يتمّ ذلك العمل ، فيقال هنا إنّ اللَّه لم يُرِدْ حصول هذا العمل ، كما يمكن استبدال كلمة « بدا » هنا فيقال : ( بدا للَّه أنّه لا يريد هذا ) . وعليه ليس المراد ( اتضح للَّه ) لتستلزم الجهل بالتقدير الثاني ، بل المراد ( اتضح لنا من اللَّه ) . ومن البديهي أن يخلو هذا الموضوع من القدح ؛ وهو الموضوع الذي يقع مراراً طيلة حياة كل إنسان بحيث يشهد وقوع بعض الأمور غير المتوقعة ، وهذه هي حقيقة « البداء » . والآن نرى كيف امتزج هذا الموضوع بعقائد الشيعة وأصبح جزءاً منها ؟
إننا نعتقد ( وتشهد على ذلك الآيات القرآنية والأخبار والروايات ) بأنّ البلاء قد يستكمل كل مقوماته وقدراته ، ولعل هاجس وقوعه يكون قائما ، غير أنّ الناس يلتجئون إلى اللَّه ويتضرعون إليه ويقلعون عن أفعالهم السيئة وتسود بينهم حالة من التعاون والتعاضد ويقومون بالأفعال الحسنة ، فيرفع اللَّه عنهم البلاء ببركة أفعالهم وهذا بحدّ ذاته أحد مصاديق البداء . وأحياناً بالعكس حيث تكتمل مقدمات نعمة وخير ، فيأتي الناس ببعض الأعمال التي تحول دون ذلك وهذا هو البداء .
هامش
( 1 ) هذا الشرح عصارة آراء المحققين وعلماء العقائد الشيعية خاصة ما أورده العلّامة الجليل والمتكلم والفقيهالمعروف الشيخ المفيد في كتابه ( أوائل المقالات ) وشرح رسالة ( إعتقادات الصدوق ) والتي تتضمن بيان عقائد الشيعة بهذا الخصوص وتزيل عنها الابهام والغموض .
( 2 ) سورة الزمر ، الآية 48 .