التحقيق صعباً ومعقداً ، ويستطيع كل فرد التعرف على هذه الأصول على ضوء الدليل والمنطق المناسب لفهمه وإدراكه ، بينما يتعذر التخصص على الأفراد والاستفادة من المصادر الدينية - القرآن والحديث والدليل والعقل والإجماع - للتوصل للأحكام في المسائل المرتبطة بالأحكام الإسلامية في باب العبادات والمعاملات والسياسات الإسلامية ، والأحكام المتعلقة بالفرد والأسرة والمجتمع والصلاة والصوم والجهاد والديات والحدود والقصاص والزواج والطلاق والآف المسائل المختلفة والمرتبطة بجوانب حياة الناس .
وعليه فهم مضطرون للرجوع في هذه المسائل إلى العلماء والمراجع المعتمدين ؛ العلماء الذين جدّوا لسنوات في المسائل الإسلامية ولهم معرفة تامة بالكتاب والسنة والأخبار والروايات . وعلى هذا الضوء يتضح بجلاء أنّ هذا الرجوع ليس من قبيل التبعية دون دليل ، بل هذا الاتباع يستبطن الدليل العقلي والنقلي وهو أنّ نظرية الشخص العالم والمتخصص ألصق بالحقيقة ولا يجانبها قط ، ولو أخطأ لكان خطأه محدوداً ، بينما لا يكون رصيد أعمال الجاهل الذي يتصرف وفق رأيه ومعتقده سوى الزلل والخطأ . مثلًا ، لو رجع الشخص حين مرضه إلى الطبيب وكتب له الوصفة ، فربّما يخطئ الطبيب ، إلّاأنّ المفروغ منه أنّ أخطاءه طفيفة جدّاً بالنسبة للنتائج التي يحصل عليها من وصفته ، طبعاً المراد الطبيب الماهر والمتخصص ، ولكن لو تحفظ المريض عن الرجوع إلى الطبيب ، وتناول ما يشاء من دواء حسب رغبته وفكره ، فمما لا شك فيه يكون قد اقترف عملًا غاية في الخطورة ، وما أكثر ما يؤدّي به هذا الأمر إلى الوفاة .
النتيجة : تبعية غير العالم للعالم تنطوي دائماً على دليل إجمالي ومنطقي . ومسلّم أيضاً أنّ هذا التقليد والاتباع لا يدلّ على أي مثلبة في شخصية الإنسان ، بل بالعكس دليل على شخصيته ، لأننا نعلم بأنّ دائرة العلم على قدر من السعة بحيث هنالك عشرات وأحياناً مئات الفروع التخصيصة في علم معين ، ولو كان للإنسان عمر نوح وعقل ابن سينا فلا يسعه قط التخصص في واحد بالمئة من هذه العلوم . وعليه فلا مناص له من الرجوع إلى الآخرين في
أجوبة المسائل الشرعية — صفحة 361
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٦١