جدير بالذكر ، للعلوم البشرية عدّة فروع ، وربّما ينبغ العالم في فروع دون أن يعلم شيئاً عن فرع آخر ، وعليه لابدّ له من الرجوع في ذلك الفرع إلى المختص به . فالطبيب أو المهندس البارع في تخصصه ، ربّما يرد منطقة ويبحث عن زقاق فلا يجده فينبغي أن يسأل الآخرين ليدلّوه عليه . أو مثلًا ، يمرض شخص مختص بعلم الفلك ، فلابدّ له من مراجعة الطبيب ، كما يجب عليه امتثال أوامر الطبيب دون نقاش . ويتضح مما سبق علية ضرورة تبعية الناس للمجتهد ، ذلك لأنّ المجتهد متخصص في عدّة علوم أساسية في الاجتهاد والفقاهة من قبيل الصرف والنحو واللغة والكلام والمنطق والتفسير والرجال والدراية والحديث والأصول والفقه . ولعلك ترى كتاباً صغيراً يسمى ( الرسالة العملية ) ولا تدري أنّ هذه الرسالة حصيلة عمر الفقيه وقد سطرها بجهود جبارة ومعاناة شاقة ووضعها تحت تصرف الأمّة . فالاجتهاد ليس قضية سهلة ، بل الاجتهاد يعني المعرفة بالأحكام السماوية كافّة ذات التأثير المباشر على الحياة الفردية والاجتماعية .
الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله الذي يعتبر أحد العظماء ومن مفاخر مراجع مدرسة الإسلامية يقول في كتابه ( الرسائل ) بشأن الاجتهاد : « رزقنا اللَّه الاجتهاد الذي هو أشدّ من طول الجهاد » .
يذكر أنّ تقليد المجتهد يختص بالفروع لا الأصول ، بعبارة أخرى ، لابدّ أن يقف المكلّف بنفسه على دليل معرفة اللَّه سبحانه والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله لأنّها من أصول الدين ، ولكن بعد قبول هذه الأصول على أساس الدليل والمنطق يأتي دور الفروع وعليه أن يرجع إلى المتخصصين بالعلوم الدينية ، حيث يتعذر عليه إدراك المصادر الدينية كالقرآن والحديث وسائر المصادر .
كما أنّ تقليد المجتهدين لا يصح في المسائل الإسلامية القطعية كوجوب الصلاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحرمة الكذب والخيانة وشرب الخمر والقمار ، ذلك لأنّها من الأمور المعلومة للجميع ولا تحتاج إلى تقليد ، وعليه فالتقليد يقتصر على الأحكام الفرعية غير القطعية .
أجوبة المسائل الشرعية — صفحة 227
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٢٧