الموضوع : لو تطوع عدد من الأفراد لمشروع خيري كبناء مستشفى مثلًا للفقراء ، فالعامل الذي له دخل محدود ومع ذلك يتبرع بمبلغ ما لهذا المشروع فإنّه يحظى بتقدير الآخرين ، ولكن لو تبرع بهذا المبلغ رجل ثري ، فهو ليس فقط لا يستحق التقدير فحسب ، بل ينقم عليه الجميع ويذمونه ؛ أي أنّ التبّرع الذي يمدح عليه شخص ، يذم عليه شخص آخر ! مع أنّ هذا المذموم لم يرتكب أي جرم من الناحية القانونية . وفلسفة هذا الموضوع كما أشرنا سابقاً :
أنّ ما يتوقع من كل فرد يتوقف على إمكاناته من قبيل العقل والعلم والإيمان وبالتالي إمكانيته وقدرته .
فلربّما كان القيام بعمل من فرد يمثل عين الأدب والخدمة والحب والعبادة ، لكنّه يمثل في نفس الوقت من شخص آخر عين إساءة الأدب والخيانة وخلاف المحبّة والتقصير في العبادة والطاعة ! والآن على ضوء هذه الحقيقة ، نأخذ بنظر الاعتبار الأنبياء والأئمّة عليهم السلام ونقيم أعمالهم على أساس تلك المنزلة العظيمة : فهؤلاء مرتبطون مباشرة بمبدأ عالم الوجود وقلوبهم تنبض بعلمه المطلق اللامتناهي ، وهنالك العديد من الحقائق الواضحة لهم والخافية على غيرهم ، فهم قد بلغوا ذروة العلم والإيمان والتقوى ، وزبدة الكلام فهم يعيشون حالة من القرب الإلهي بحيث لا يغفلون عن معبودهم طرفة عين . وبناءً على هذا فما كان مباحاً أو مكروها على غيرهم يبدو محرّماً عليهم ! والذنوب التي تنسب إليهم من خلال بعض الآيات والروايات والأدعية ووقوفهم لطلب العفو والمغفرة من هذا القبيل ؛ أي أنّ مقامهم المعنوي وعلمهم وإيمانهم على درجة من الرفعة بحيث إنّ أدنى غفلة في أبسط عمل إنّما تعدّ معصية ، ولعلنا نقف على هذه الحقيقة من الخير المعروف « حسنات الأبرار سيئات المقربين » « 1 » .
وقد أورد الفيلسوف الجليل المرحوم الخواجة نصير الدين الطوسي جواباً للإشكال المذكور وهو : « أنّ الإنسان إن ارتكب حراماً أو ترك واجباً ، ولابدّ أن يتوب وينزع عن معصيته ، وهذا القسم من الذنوب لعامة الأفراد . ولكن إن ترك أمراً مستحباً وأتى بفعل
هامش
( 1 ) الزعماء العظام ، ص 232 - 238 .