فالواقع الإسلامي الذي عاشته الإنسانية ، والذي خلق أمة وأقام حضارة وعدل من سير التاريخ ، لم يكن سببه التغير في أشكال الإنتاج وآلاته ، ولم يسبقه أي تحول في ظروف الإنتاج .
وتحدى الواقع الإسلامي منطق الماركسية التاريخي حين نادى بفكرة المساواة ؛ لأن الماركسية ترى أن فكرة المساواة من نتاج المجتمع الصناعي الذي يتفتح عن الطبقة البرجوازية التي تحمل شعار المساواة ، بينما استطاع الإسلام أن يقوم بذلك كله قبل ظهور المجتمع الصناعي والطبقة البرجوازية بعشرة قرون ، يوم كان مجتمع الحجاز يعيش حياة التجارة والزراعة البدائية ، فقال : « كلكم لآدم وآدم من تراب » ، « الناس سواسية كأسنان المشط » ، « لا فضل لعربيّ على أعجمي إلا بالتقوى » .
وتحدى الإسلام حسابات المادية التاريخية حين بشر بمجتمع عالمي ، يجمع الإنسانية كلها على صعيد واحد ، في بيئة كانت حافلة بالصراع القبلي ، وبآلاف المجتمعات العشائرية المتناقضة ، فارتفع بالمسلمين من فكرة المجتمع القبلي الذي تحده حدود الدم والقرابة والجوار ، إلى فكرة المجتمع الذي لا يحده شيء من تلك الحدود ، بل تحده القاعدة الفكرية للإسلام . فأية أداة إنتاج حولت أولئك الذين كانت تضيق عقولهم حتى عن فكرة المجتمع القومي ، فجعلتهم ينادون بالمجتمع العالمي ؟ .
وتحدى الإسلام المنطق الماركسي المزعوم في ما أقام من علاقات التوزيع التي لا يمكن في رأي الماركسية أن تقوم في مجتمع لم يبلغ المرحلة الصناعية والآلية في الإنتاج ، فضيق من دائرة الملكية الخاصة ، ووضع لها الحدود والقيود ، وفرض عليها كفالة الفقراء ، ووضع الضمانات الكافية لحفظ التوازن والعدالة في التوزيع ، وسبق بذلك الشروط التي تراها الماركسية ضرورية لهذا النوع من النظام .
اقتصادنا الميسر — صفحة 103
مساهمون: السيد علي مطر الهاشمي
ص١٠٣