تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
الدرجة المعيّنة من الحرارة ، ولا نجد مسوّغاً لتعميم القضيّة القائلة بأنّ الماء يغلي عند درجة معيّنة لذلك العالم الآخر ، وهذا يعني أنّ التعميم في تلك القضيّة إنّما كان في حدود العالم الخارجي الذي وقعت التجربة فيه . وعلى عكس ذلك القضايا الرياضيّة ، فإنّ الحقيقة الرياضيّة القائلة : إنّ 2 * 2 / 4 صادقة على أيّ عالم نتصوّره ! ولا يمكننا أن نتصوّر عالماً تنتج فيه عن مضاعفة الاثنين خمسة ، ومعنى ذلك أنّ التعميم في القضيّة الرياضيّة يتخطّى حدود الكون المعاش ويشمل كلّ ما يمكن أن يعترض من أكوان وأفراد . هذه فروق ثلاثة بين القضيّة الرياضيّة والقضيّة الطبيعيّة جعلت المنطق التجريبي في مشكلة ؛ لأنّه مطالب بتفسيرها مع أنّه يعجز عن ذلك ما دام يؤمن بأنّ القضايا الرياضيّة والطبيعيّة جميعاً مستمدّة من التجربة بطريقة واحدة ، ولأجل ذلك اضطرّ المنطق التجريبي لفترة من الزمن أن يعلن المساواة بين القضيّة الرياضيّة والطبيعيّة ، وينزّل قضايا الرياضة عن درجة اليقين ! الأمر الذي يجعل الحقيقة القائلة أنّ 1 + 1 / 2 قضيّة احتماليّة في رأي التجريبيّين تحمل كلّ نقاط الضعف المنطقيّة التي تشتمل عليها الطريقة العلميّة في الاستقراء ، أي طريقة التعميم وتجاوز حدود التجربة . وكان هذا الإعلان والقول من المنطق التجريبي من أكبر الأدلّة ضدّه ، ومن الشواهد التي تدينه وتثبت فشله في تفسير المعرفة البشريّة ، بينما لم يكن المنطق العقلي مضطرّاً إلى التورّط فيما وقع فيه المنطق التجريبي ؛ لأنّ المنطق العقلي نظراً إلى إيمانه بوجود معارف قبليّة سابقة على التجربة ، أمكنه أن يفسّر الفرق بين القضيّة الرياضيّة والقضيّة الطبيعيّة : بأنّ قضايا الرياضة مستمدّة من معارف سابقة على التجربة ، وقضايا الوجود في الطبيعة مستمدّة من التجربة ، وما دامت طريقة المعرفة مختلفة فيهما فمن الطبيعي أن تختلفا في طبيعة المعرفة ودرجتها .
ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 56 | اعداد المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر ( قده )