تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
الحساب للرسالة لا لنفسه ، وهذا الشعور هو الذي قد يتحرّك ، هو الذي قد يتأرجح ، هذا الذي قد يبدو في بعض الأحيان صعباً على الإنسان ما لم يؤته اللَّه التأييد ، ذلك أنّ الإنسان الداعي بحكم عمله لا بدّ له أن يفكّر في مصالح ومفاسد هذا الطريق ، لا بدّ له أن يفكّر تفكيراً إيجابيّاً في الدنيا ؛ لأنّ الدنيا هي مجال عمله ، وبهذا قد ينفتح له من هذه الإيجابيّة مشاعر ومشاعر ، وقد ترد على قلبه انفعالات وانفعالات ، وإذا به يخرج عن كونه ذلك الداعية المبلّغ الأمين الحامل للرسالة ، قد يختلط عليه في أثناء الطريق المعنى الاسمي بالمعنى الحرفي ، وقد ينقلب المعنى الحرفي عنده إلى معنى اسمي ، وقد يتضاءل عنده المعنى الاسمي ويبرز الحرفي ، قد يتعوّد عقله على التفكير في منطق المصالح والمفاسد ، فيتحوّل هذا العقل إلى عقل مصلحي ، كالعقل الذي يعيشه أصحاب الاتّجاه الأوّل . انظروا أيّها الأعزّة ! ما هو قدر المسؤوليّة ، وما هو قدر الحرج ، ما هو مقدار ما يجب على الداعية أن يثبّت به نفسه لكي يتحصّن ، ولكي يواصل طريقه بكلّ أمانة ودقّة ووضوح ؟ ! إنّه في نفس الوقت الذي يفكّر بعقليّة المصالح والمفاسد يجب أن يجعل في نفسه هذه الحقيقة واضحة جليّة في كلّ حين ، وهي : أنّه إنّما يفكّر بهذه العقليّة لحساب الرسالة ، وإنّما يفكّر بهذا المقياس لا لأنّ هذا المقياس هو مقياس نفسه ، بل لأنّه هو مقياس لانتصارات الرسالة وتقدّم الرسالة ، لا تقدّم ذاته وشخصه . وهنا قد يشتبه الحساب ، هنا يجب على الداعية أن يراجع نفسه بين كلّ حين وحين ، ويمتحن عمله ، ويمتحن إقدامه ، ويمتحن عقليّته ، ويمتحن اتّجاهه التفكيري في المصالح والمفاسد ، ليتأكّد في كلّ ساعة وفي كلّ وقت من أنّ اتّجاهه التفكيري في المصالح هو اتّجاه يقوم على أساس حمل الرسالة والأمانة ، ولا يقوم على أساس الأشخاص ، ولا يقوم على أساس آخر من الأسس النفعيّة التي يؤمن بها أصحاب الاتّجاه الأوّل ويعملون بها .