تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
هذا الاتّجاه الثالث يفتحون عيونهم للدنيا ويفتحون قلوبهم للرسالة والأمانة ، وحينما يوزّعون عيونهم وقلوبهم هذا التوزيع يصبحون قادرين على مواصلة العمل ، عمل الأنبياء والأوصياء . وهنا يكمن الخطر ، ومن هنا تبدأ المتاعب والمصاعب ، ذلك أنّ الإنسان الداعية المبلّغ الذي يمثّل الاتّجاه الثالث قد قضي عليه بمنطق هذا الاتّجاه أن يفتح عينه للدنيا ، وهذا معناه أنّه قد قضي عليه أن يواجه الدنيا بكلّ مغرياتها وشهواتها ، وأن يمارس العمل على صعيد الدنيا بكلّ ما في هذا الصعيد من أخطار وألوان ومتاعب ومشاكل ، أي أنّه فرض عليه أن يعيش في المنزلق ، ولكنّه في نفس الوقت فرض عليه أن لا ينزلق ؛ لأنّ قلبه الموجّه لإرادته هو ملك الرسالة لا ملك الدنيا . انظروا إلى هذا الموقف الحرج ، انظروا إلى موقف شخص قدّر عليه دائماً في خطّ حياته أن يعيش في المنزلق وكلّف بأن لا ينزلق ، إنّها المحنة ، إنّه الامتحان الذي إن نجح فيه المرء كان من الصدّيقين ، كان من أصحاب محمّد وعليّ عليهما السلام ، وإن سقط فيه المرء ثبت بذلك أنّه لا تتوفّر فيه الشروط الصحيحة الكاملة لأن يمثّل الخطّ الثالث . وبودّي أن اوضّح هذا الموضوع بشكل أوسع فأقول : إنّ المبلّغ الذي يحمل الرسالة ويريد أن يشقّ لها الطريق في عالم الدنيا ، في عالم الناس الذي هو مجال التبليغ ، حينما يريد أن يشقّ للرسالة طريقاً ، يشقّ في نفس الوقت طريقاً لنفسه ، وهذا معناه أنّ طريق الرسالة هو طريق الرسول أو طريق القائد أو طريق المبلّغ ، وطريق الرسالة هو طريق من حمل هذه الرسالة ، اتّحدت طبيعة انتصارات الرسالة مع انتصارات الشخص ، وانتصارات الشخص مع انتصارات الرسالة ، التقت إلى حدّ كبير مصالح الشخص مع مصالح الرسالة ، ومصالح الرسالة مع مصالح الشخص ، هذا يعني : أنّ عمليّة التبليغ يمتزج فيها قطبان ، يمتزج فيها عنصران :