إذا كان هذا هو شأن مال بسيط ، فما هو بال أعظم الرسالات ، رسالة السماء على وجه الأرض ، هذه الرسالة التي عمل من أجلها مئة وأربعة وعشرون ألف نبي ، وعمل من أجلها أوصياء هؤلاء الأنبياء ، وعمل من أجلها سيّد الأنبياء ، وضحّى من أجلها سيّد الشهداء ؛ ما بال هذه الرسالة ، وما هو ثمن أمانتها إذا كان الشخص يريد أن يضطلع بمسؤوليّة هذه الأمانة ؟ ! أليس لهذه الأمانة حرمة تحدّد وتهيمن وتحكم على سلوك الأمين ؟ الإنسان بالخيار في دائرة المباحات ، إن شاء فعل وإن شاء ترك ما لم يكن أميناً ، فإن أصبح أميناً تطلّب الموقف منه ما تفرضه عليه الأمانة . وكلّما كانت الأمانة أغلى ، وكلّما كانت الأمانة أعظم وأوسع نطاقاً ، وأكثر أهمّيّة ، وأكبر مسؤوليّة ، كان الموقف أدعى لأن يتكيّف بموجبها ويتأثّر بحدودها ويتلوّن بظروفها .
إذن فالمنطق الذي يمثّله الاتّجاه الأوّل لا يمكن أن يكون منطق الداعية المبلّغ الذي نذر نفسه للرسالة والذي اضطلع بواجبات الأمانة .
إنّ القاعدة للسلوك يجب أن تكون هي الطاعة للَّهفي دائرة الواجبات والمحرّمات الصريحة ، وهي التكيّف وفقاً لمتطلّبات الأمانة الكبرى ، وحمل الرسالة ، ومواصلة السير في طريق الشهداء والأنبياء والأوصياء . هذا ما يقوله أصحاب الاتّجاه الثالث للاتّجاه الأوّل .
ولكنّهم في نفس الوقت يعترضون على الاتّجاه الثاني أيضاً ، فلا يقبلون منه سلبيّته [ تجاه ] الدنيا ، لا يقبلون منه اعتقاده بأنّ الدنيا صفر أو كميّة مهملة في حسابهم وفي حياتهم وفي مجال عملهم . كلّا : إنّ الدنيا في نظر الداعية المبلّغ سواء كان هذا الداعي المبلّغ نبيّاً أو وصيّاً أو شخصاً سائراً في موكب الأوصياء والأنبياء ومقتفياً آثارهم ومقتدياً بطريقتهم . . إنّ الدنيا في نظر هؤلاء هي الحقل الذي يجب أن يمارسوه ، يجب أن يحفروه ، يجب أن يزرعوه ، يجب أن يسقوه ،
ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 361
مساهمون: اعداد المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر ( قده )
ص٣٦١