تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
الاتّجاه الأوّل يجد من مغريات الدنيا مبرّراً للاستجابة لها ما دام لا يخرج عن دائرة المباحات . والاتّجاه الثاني يجد من وضاعة الدنيا وتفاهتها ومحدوديّة غاياتها وأشواطها ما يترفّع عن الانسياق معه ومواكبته والمشي في خطّه . الاتّجاه الأوّل يفتح عينيه وقلبه للدنيا معاً . والاتّجاه الثاني يغمض عينيه وقلبه عن الدنيا معاً . يقال في تاريخ هذه البناية التي نباحث فيها في كلّ يوم صباحاً ومساءً « 1 » إنّ شخصاً من العلماء الأبرار كان يسكنها ، وهو الشخص المعروف بالمقدّس الأردبيلي رضوان اللَّه عليه ، هذا الشخص الذي نظر إلى الدنيا من أعلى ، فترفّع عنها وعن كلّ ما فيها وما تزخر به من متع وشهوات . هذا الرجل العظيم كان يسكن في هذه البناية بالذات على ما يقال في تاريخها . يقال إنّه قدس سره استيقظ لصلاة الصبح أو لصلاة الليل ، أراد أن يستسقي من البئر ماءً ليتوضّأ به فخرج الدلو مملوءاً ذهباً ، فألقى بالذهب كلّه إلى قاع البئر ، وكرّر العمليّة فتكرّرت النتيجة هكذا ثلاث مرّات ، وهو يقول : ما شأني والذهب ؟ أنا أريد ماءً أتوضّأ به . إنّ هذا الرجل لم يكن يجد له شأناً من النظر ؛ لأنّه نظر إلى الدنيا من أعلى فأحسّ بواقع زيف الذهب ، ولم يستطع الذهب - بالرغم من كلّ قوّته وإغرائه ولمعانه - أن يخطف أبصار هذا الرجل العظيم ، أو أن يزلزل قلبه ، أو أن يخطف منه عقله ، أو أن يسرق منه روحه ، فبقي ينظر إلى هذا الذهب وهو يلمع أمامه كما ينظر إلى كومة من الحديد ، بل إنّه انزعج منه وتضايق ؛ لأنّه منعه أو حال بينه وبين الماء ، بين الماء الذي يريده ليتطهّر به ، لكي يتهيّأ لمناجاة ربّه ، للعبادة التي عاش لها وتعشّقها وشعر بلذّتها واستصغر كلّ اللذّات في مقابل تلك اللذّة .
هامش
( 1 ) مراده قدس سره : مقبرة المغفور له آية اللَّه الشيخ محمّد حسن آل ياسين رحمه الله