تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
به كلّما اتّسع في تنفيذه ، حتّى أصبح هذا المقياس هو الحاكم المطلق في كلّ شؤون حياته ، دون فرق بين دائرة ودائرة أو مجال ومجال . [

الاتّجاه الثاني :

] وهناك أيّها الأعزّة اتّجاه آخر يناقض هذا الاتّجاه كلّ المناقضة ويقف بصورة مقابلة له تماماً . هذا الاتّجاه ينظر أصحابه إلى الدنيا من أعلى ، ينظرون إليها من أعلى ، من قمّة الجبل ، فيشيرون بوضوح وبجلاء إلى كلّ ما في هذه الدنيا من محدوديّة وزيف وفراغ . وهم ينظرون إليها من أعلى يعصمون أنفسهم من التأثّر بمغرياتها ، والاستجابة لدوافعها ، والانصياع مع جذبها الأكيد في كلّ ميادين ومجالات مساعيها . وعلى هذا الأساس يقفون منها موقفاً سلبيّاً ، ويرون أنّ الدنيا كميّة مهملة في حسابهم لا تميد إليها هممهم ولا يرتبط بها شأنهم ؛ لأنّهم أعلى من هذه الزخارف والسفاسف ؛ لأنّهم يعيشون مع اللَّه في جوٍّ من المناجاة والانطلاق الروحي والانقطاع إلى اللَّه تعالى ، [ الذي ] يشغلهم عن تلك الزخارف والسفاسف التي ألهت الأوّلين وجذبتهم ، وجعلت منهم اناساً يركضون وراء مصالحهم الشخصيّة . إنّ منطق هؤلاء يتلخّص في أنّ هذه الدنيا ، بمحدوديّتها وزيفها وما يكتنفها من فتنة وشدائد ومصاعب ، وما يتمخّض عنها من زوال ، وما يلابسها من أخطار ، أنّ هذه الدنيا ليست جديرة بالاهتمام . وهكذا نجد - أيّها الأعزّة - أنّ هذين الاتّجاهين يختلفان اختلافاً كبيراً في طبيعة نظرتهما إلى صلتهما بالدنيا ، ويختلفان اختلافاً كبيراً نتيجة لذلك في موقفهما العملي من الدنيا . الاتّجاه الأوّل يقف موقفاً إيجابيّاً ، والاتّجاه الثاني يقف موقفاً سلبيّاً .