وجهه ، فركّزوا تلك المباينة وطوّروها وغذّوها على شكل يحقّق لهم مصالحهم ، ويحول دون نهضة الإسلام وانتفاضته أو يقف عائقاً في الطريق على أقلّ تقدير .
ومفهوم المباينة هذا الذي تبنّاه الاستعمار ، وفصل به الإسلام عن السياسة في الأذهان ، هو الذي كان يعترض طريق علماء الإسلام ويعيقهم عن تسجيل نجاح حاسم في معارضاتهم الحادّة لأقطاب الاستعمار والطغيان ، بعد أن كانوا يخوضون الميدان قبل أن يخلق الاستعمار هذا المفهوم في الذهن العام ويقودون الثورات التحريريّة على كلّ غزو استعماري أو سياسة استعماريّة .
إنّ السياسة بمعناها الصحيح - لا بمعناها الذي شاهدنا من المستعمرين - هي رعاية شؤون الامّة وعلاقاتها الداخليّة والخارجيّة ، فهي التي تحقّق للُامّة مصالحها وتحفظ لها كيانها الاجتماعي في شتّى شعب الحياة ونواحيها ، وهي التي تحدّد لها علاقاتها وصلاتها ، وترسم عمليّاً حياتها ومنهاجها في الحياة .
هذه هي السياسة بمعناها الاصطلاحي الصحيح ، فإذا تبيّنّاها في واقعها المصفّى وجوهرها البنّاء ووضح لنا كلّ الوضوح مدى الغلط والاشتباه في تلك العقيدة السائدة التي تجعل السياسة نقطة مقابلة للإسلام ، فإنّ السياسة إذا كانت في مفهومها الكامل تعني رعاية شؤون الامّة وحماية مصالحها فهي من صميم الإسلام ، وهل اهتمّ الإسلام بشيء كما اهتمّ برعاية شؤون الامّة وتنظيم علاقاتها وإجراء الأنظمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة العادلة عليها .
فالإسلام يباين السياسة ، ولكن لا تلك السياسة الصحيحة النزيهة التي يعبّر عنها المفهوم الاصطلاحي للّفظ ، بل إنّما يباين سياسة الاستهتار بالكرامات الإنسانيّة واستلاب حقوقها والتآمر على سلامتها .
والإسلام يتبنّى القضيّة السياسيّة ، ولكن لا بالمعنى الاستعماري للسياسة ،
ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 306
مساهمون: اعداد المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر ( قده )
ص٣٠٦